|
مقال موسّع في "لعبة مفترق الطّرق" لاسماعيل غزالي، بقلم منى ظاهر نشر في قاب قوسين، نيسان إبريل 2011 ...القبض على اللحظات المنفلتة والمعاني الغريبة من خلال إبراز الأشياء المهمّشة، الّتي تبدو غير صالحة لاستعمالنا، والتّماهي مع القلق الوجوديّ الّذي تنضح به الكلمات والموصوفات هي أحد جوانب الاشتغال السّرديّ في متن هذه القصص. عند القراءة الأولى لهذه القصص، تشعر وكأنّ يد مايسترو متمرّسة تروّض نغمًا متوحّشًا، وفي الوقت نفسه ترى ريشة الرّسام تخطّ بمهارة أدقّ تفاصيل المشهد، وأحيانًا تؤمن بأنّها عين الكاميرا مصوّبة بفراسة إلى التّفاصيل اللازمة للّقطة النّاجحة، وأحيانًا أخرى تشعر بإبرة الواشم وهي تشكّ الجلد والعضلة معًا وهي واقفة على نبض الجرح. بناءً على ما تَقدّم، يتعزّز اليقين بقدرة القصّة القصيرة العربيّة على التّجدّد من جهة، وبقدرة اسماعيل غزالي على الإدهاش والإمتاع والإرباك من جهة أخرى، فهو كمن يكسر الضّوء في ماء الكون لتتوالد أقواس قزح الحكايات. ...
جماليّة المتاهة وسحريّة المفارقة في "لعبة مفترق الطّرق" للكاتب اسماعيل غزالي بقلم : منى ظاهر- فلسطين "لعبة مفترق الطّرق" للكاتب المغربيّ اسماعيل غزالي، كتاب في هندسة المتاهة، قائم على سحريّة المفارقة، من خلال عشر قصص مسبوكة بتقنيّات حداثيّة جادّة ومبتكرة، تطلق صيحتها الخاصّة في سماء التّجديد. إنّ المتاهة الّتي عرفناها في الأساطير كاليونانيّة والرّومانيّة، قبل إدغار ألن بو وبورخيس وغيرهما، هي بحمولة أكبر في هذه النّصوص القصصيّة، حيث لا تستقيم الرّؤية السّرديّة بدونها. ولا تتحقّق إبداعيّة القصّة إلاّ بالارتهان إلى لعبة هذه المتاهات واستثمار الأدوات في خلق دوّاماتها ودوائرها وغرائبّيتها.
هذا لا يعني أنّ كتاب "لعبة مفترق الطّرق" امتداد لتلك النّماذج، وإن كانت تحيل عليها، بل يعني أنّ المتاهة في قصص هذا الكتاب قد نجحت في خلق فَرادتها، واستطاعت أن تتميّز في سبك المواضيع وأسلوبها الفنيّ على حدّ سواء، كما في القصّة الأخيرة الّتي تحمل اسم هذا الكتاب، وهي بحق، إحدى القصص المتميّزة الّتي أتحفتنا بها مخيّلة اسماعيل غزالي. إنّ تركيب هذا النّسيج القصصيّ يجعلني أتخيّل عصا سحريّة تلامس كيمياء الواقع وعناصره وتخلخلها، من حيث الموضوعات المطروحة بذهن شيطانيّ في مفترقات طرق متشعّبة، ومن حيث الحفر في الوجود وعمق دواخل الإنسان وصراعاته النّفسيّة، وفي طبقات لاوعيه السّحيقة. ولهذه الغاية يستعمل غزالي إزميله في حفر اللغة، ويصنع داخلها طرقه الغجريّة، ويشحذ عينه الماكرة لنحت الفراغ وتأثيثه بصريًّا عبر مشاهد سينمائيّة، ولا يكفّ ينثر من بهارات مطبخه الخاصّ صورًا ورموزًا وتقنيّّة وحبكة. هذا المطبخ زاخر بوعي جماليّ هائل يقف وراء ولادة النّصّ، وغنيّ برصيد معرفيّ يدعّم هذا الخلق المغامر. القبض على اللحظات المنفلتة والمعاني الغريبة من خلال إبراز الأشياء المهمّشة، الّتي تبدو غير صالحة لاستعمالنا، والتّماهي مع القلق الوجوديّ الّذي تنضح به الكلمات والموصوفات هي أحد جوانب الاشتغال السّرديّ في متن هذه القصص. عند القراءة الأولى لهذه القصص، تشعر وكأنّ يد مايسترو متمرّسة تروّض نغمًا متوحّشًا، وفي الوقت نفسه ترى ريشة الرّسام تخطّ بمهارة أدقّ تفاصيل المشهد، وأحيانًا تؤمن بأنّها عين الكاميرا مصوّبة بفراسة إلى التّفاصيل اللازمة للّقطة النّاجحة، وأحيانًا أخرى تشعر بإبرة الواشم وهي تشكّ الجلد والعضلة معًا وهي واقفة على نبض الجرح. ترتكز قصص غزالي، الكاتب المثير للجدل برأيي، إلى فكرة مركزيّة في هذا الكتاب، و تتلخّص في أنّ شخصيّات قصصه الرّئيسيّة تدخل دائمًا بإرادة المصير العليا في دروب متفرّقة، تظهر كسراديب متنافرة، ولا تكاد تتشعّب حتّى تجتمع من جديد في سيناريو مضبوط، عبر نسق مغاير، غير مدرك سابقًا، إذ مع القراءة الأولى يبدو الحكي عن الأشياء كما لو يتمّ تلقائيًّا وفوضويًّا. وسرعان ما يتأكّد أنّ لا شيء مقحم أو مجّانيّ أو موجود في فضاء القصّة كيفما اتّفق، حيث أنّ المعطيات يلحمها منطق ذكيّ، مباغت، يطفو في مجرى التّحوّل المفارق الّذي تحدثه القصّة في نهاية حكايتها، وتلك هي لحظة المفارقة الّتي تراهن عليها قصص هذا الكتاب. يلعب الكاتب بحكمة في مصائر شخوص قصصه، ويزجّ بهذه الشّخصيّات في مكائد ودسائس. ويعرض أحداث حكاياتها وينفضها من جديد ليميط اللثام عن اللحظة الّتي تتقاطع فيها خطوط حيوات هذه الشّخوص. والملفت أنّ غزالي يحرص على عدم التّعريف عن هذه الشّخصيّات باسم علم، بل من خلال صفات شكليّة تميّزها أو صفات وتوصيفات تحيل عليها أو إليها. هذا وتلعب نهاية القصص، كما أشرت، في الغالب الدّور الفاعل في هذه الخلخلة والصّدمة، إذ يتّضح أنّ مقدّمات الحكاية تروم الغدر بأفق القراءة عند منتهاها، حيث تكون النّهايات مثيرة، لاتخطر على بال القارئ. هذه النّهايات الّتي تمنح دهشة القراءة وتفاجئ التّوقّعات هي نسغ مختلف ومثير. وأخال القارئ يبتسم وهو يلعن مخيّلة الكاتب الماكرة، ولا يمنع ذلك تلذّذ القارىء بشعريّة تلك المفارقة ومداهمتها. يمكن الإضافة إلى أنّ شخوص حكايات غزالي يعيشون في واقعيْن منفصلين ومتّصلين معًا، يحملان ازدواجية المتخيّل- الموجود في تناغم، حيث عبثيّة القدر وألعاب التّحوّلات والطّوارئ. هذا وتتأسّس بنية الأشياء على مجموعة من النّقائض والمتضادات والتّقابلات ليس على مستوى المفردات والمعاني، بل على مستوى المعالم والموضوعات والمقولات، تجعل أسلوبيّة الكتابة والرّؤية السّرديّة تعمّق من فسيفسائيّة وعي القصص، بالإضافة إلى تنوّعها التّقنيّ. وخير مثال على سحريّة المفارقة هذه، قصص: "سرنمة على الجسر"، "قيلولة الحصان الأبيض"، و "امرأة وحيدة على متن قارب". هذه الفكرة لهذه اللعبة للمصائر وللأقدار وللمتاهات في حبكة قصص غزالي، تلك الّتي تجعل القارىء يتوهّم أنّ حقيقة الشّخصيّات هي ما تبدو عليه، لكن يتّضح له لاحقًا أنّ حقيقتها مغايرة لما تظهر عليه أو تصرّح به، أو أنّ مصائرها الّتي تبدو على السّطح ليست هي المصائر ذاتها الّتي في العمق، عبر الإيهام بالواقع والجنوح إلى نوع من الفانتازيا، لا يروم خرق الواقع بالفهم السّائد الّذي يقول إنّ الخيال مفارق للواقع، إذ تبدو فانتازيا اسماعيل غزالي منتصرة للفكرة الفلسفيّة الّتي لا تفصل الخيال عن واقعه وتذوب الثّنائيّات، أو كما يقول أرنستو ساباتو: الخيال هو الواقع نفسه. وقبل أن أمثّل لجماليّة المتاهة في "لعبة مفترق الطّرق" وما يليها من تحقّق سحريّة المفارقة، يمكن أن أشير إلى اللغة الرّفيعة والمتمرّسة الّتي يكتب بها غزالي، حيث لا يمكن للقارئ إلاّ أن ينبهر بالاستعارات والتّشبيهات اللافتة، والانزياحات اللغويّة الدّقيقة، دون إغفال الموسيقى الخفيّة الّتي تسود مناخ القصص وفضاءها، وهي تتكشّف عن علاقات دافئة، ناريّة وشبقيّة بين المفردات المنتقاة بمهارة. وسآتي هنا على تمثيل نموذجين من قصّتين تؤسّسان لمتاهات صغيرة في هذا الكتاب القصصيّ اللافت، حيث يمكن ملاحظة خيوط هاتين الحكايتين المنسوجتين بإحكام، كما لو أنّ الكاتب يلعب لعبة التّحكم بخيوط العنكبوت الّتي تنسج أقدار الشّخوص، وغرائبيّة تحوّلات مصائرها في لحظات تتشعّب فيها المتاهات وتنجلي فيها مفترقات الطّرق. في قصّة الكتاب الأولى "النّائمات على العشب"، نجد أربع شخصيّات نسائيّة وُجهتهنّ المدينة، تتعطّل بهنّ السّيّارة في الطّريق كما يشاء القدر، ويتركهنّ السّائق على ضفّة النّهر بانتظار إصلاح العطب. العجزاء ذات الجلباب الأزرق، ذات الشّعر المنسكب حتّى ردفيها، القصيرة ذات الصّدر الجامح، وأصغرهنّ ذات العينين الخضراوين كلّهنّ يستلقين على العشب ويتحادثن ويتكاشفن، يمضي الوقت وتجفّ آخر قطرة ماء على أجساد النّساء اللاتي استحممن في النّهر، والسّائق لا يرجع. تمر سيّارة جيب أخرى كما تشاء الأقدار وينادي سائقها عليهنّ ليصحبهنّ للمدينة. ويتّضح أنّ الأسباب الحقيقيّة لزيارة كلّ واحدة منهنّ للمدينة، هي ليست الأسباب الّتي حكتها كلّ امرأة وصرّحت بها للنّساء. فها هو الرّاوي يفصح بأنّ العجزاء ذات الجلباب الأزرق كانت تقصد المدينة من أجل ابنتها الّتي تمارس الدّعارة منذ أن اغتصبت من سنتين، وليس لأنّها متزوّجة وانقطعت أخبارها. وذات الشّعر المنسكب حتّى ردفيها كانت تبغي لقاء عشيقها وليس من أجل اقتناء دواء لزوجها طريح الفراش. أمّا القصيرة ذات الصّدر الجامح فوصلت المدينة لزيارة زوجها المسجون بتهمة السّرقة ومحاولة القتل، وليس لأنّ أثره اختفى وهو يبحث عن عمل. وأصغرهنّ ذات العينين الخضراوين لم تكن ذاهبة لزيارة أختها البكر، بل قاصدة الطّبيب لفحص مسألة تأخّر دورتها الشّهرية حيث أنّها فقدت عذريّتها على يد حبيب أختها الأوّل. وتنجلي حقيقة أخرى أنّ السّائق الثّاني هو أجنبي، وكان قد تلصّص على هؤلاء النّساء كما خمّنت واحدة منهنّ. وهو من وثّق أجسادهنّ في لوحة باسم "النّائمات على العشب" رسمها في غرفة الفندق الّتي يسكنها. وينتهي به المطاف إلى اختفاء أثره بشكل لا تكتشفه الشّرطة. ويكتشف أمر اللوحة صاحب الفندق ليعلّقها على حائط مقهاه. في هذه القصّة يستخدم غزالي تقنيّة مهمّة جدًّا برأيي، وهي جعل لوحة فنّيّة بمثابة خلفيّة لتقديم حكاية بتفاصيل وشخوص عديدة. فالمحكيّ هنا يستند إلى لوحة مرسومة هي لوحة "النّائمات على العشب" الّتي رسمتها مخيّلة غزالي، ومن هذه اللوحة حلّقت الصّور وانشبكت لتؤلّف هذه القصّة. وكأنّ اللوحة هي بؤرة انكسار ضوء الشّمس السّاقط بشكل مائل عند دخوله في قطرات المطر ومن ثمّ انعكاسه مرّة أخرى في السّطح الدّاخليّ من قطرة الماء، وينكسر الضّوء أيضًا عند خروجه منها. ويتشكّل من هذا الانكسار قوس قزح بألوانه المتعدّدة الّتي هي تفاصيل هذه الحكاية وأطيافها. ولو أمعنّا النّظر مثلاً في الشّخصيّات الأربع للنّساء سنجد أنّ كلّ واحدة منهنّ تشكّل طيفًا من أطياف ألوان قوس قزح بشكلها الخارجيّ وبالسّبب الّذي أعلنته للنّساء لوجهتها للمدينة وبطيف الحقيقة الفعليّة لزيارتها هذه، بمعنى أنّ حكاية النّساء هي قوس قزح بتمايز ألوانه وتداخل أطيافه، كتعبير عن مصائر النّساء وأسبابهنّ الواهية المعلنة والمبتكرة، وتلك الأسباب الّتي تكشّفت عن حقيقتها.
وفي القصّة الأخيرة، أيقونة الكتاب، تلك الّتي تحمل عنوانه "لعبة مفترق الطّرق" والمهداة إلى محمد خضيّر. تبدأ الحكاية براكب الدّرّاجة النّاريّة الّذي يجد نفسه في مفترق ثلاثة طرق: يمينًا صوب الغابة، شمالاً صوب النّهر وأمامًا صوب جبل الثّلج. وعندما يسلك دون تخطيط بل بفعل مصير ما، الطّريق المتّجهة صوب النّهر، على الرّغم من أنّه كان ينوي الوجهة نحو جبل الثّلج من أجل أن يصنع نصبًا تذكاريًّا لكلبه الّذي لقي حتفه إذ دهسته شاحنة أكباش، سيجد هذا الرّاكب نفسه عند مفترق ثلاثة طرق: الطّريق الذّاهبة يمينًا صوب الخلاء، الطّريق الذّاهبة شمالاً صوب القرية، والطّريق الذّاهبة أمامًا صوب النّهر. وها هو القدر يختار له أن يسلك الطّريق الذّاهبة شمالاً صوب القرية، على الرّغم من أنّه كان يبغي الذّهاب أمامًا نحو النّهر لاصطياد أفاعي المياه الرّقطاء. ويجد نفسه بعدها في مفترق ثلاثة طرق. ويختار له المصيرُ أن يسلك أيضًا الطّريق الذّاهبة شمالاً- أي الاختيار الأوسط- كاختياريْه السّابقين ليصل صوب البحيرة، على الرّغم من أنّ نيّته كانت الطّريق الذّاهبة للأمام كما أراد سابقًا. وهذه الطّريق كانت ستوصله للقرية من أجل لقاء فتاته الشّقراء. وهناك على تخوم البحيرة يكون عند مفترق طرق ثلاث يختار له القدر الطّريق الذّاهبة شمالاً كالعادة ليتّجه نحو الغجر، مع أنّه كان ينوي الذّهاب في الطّريق المتّجهة صوب البحيرة أمامًا ليستمتع بقيلولة على متن قارب. ودون أن يخطّط كما دائمًا، حينما يصل إلى مفترق طرق ثلاث أخيرة يسلك الطّريق الذّاهبة شمالاً صوب المدينة الحدوديّة، بدل أن يسلك الطّريق الأماميّة الّتي يرغب فيها صوب مخيّم الغجر من أجل أن يستردّ قيثارة أعارها لأحد العازفين. وجدير بالانتباه أنّ هذا الرّاكب للدّرّاجة النّاريّة يقتاده القدر إلى الطّريق المتّجهة شمالاً في كلّ مرّة، رغم أنّ نيّته تبغي أن يسلك الطّريق المتّجهة إلى الأمام دائمًا. وبهذا يكون الرّاكب في ما يشبه لعبة مفترق الطّرق الّتي تحرّكها المتاهات بفعل يد القدر، إلى أن يجد هذا الرّجل نفسه في مستشفى لمجانين بعد أن دهسته شاحنة لنقل الأكباش. يحاول خمسة رجال صلع هناك يشاركونه غرفته، تصحيح اختياراته بل ويشرّعون لأنفسهم أن يلوموه على عدم اختياره الطّريق المتّجهة يمينًا في الخمس مرّات الّتي وقف فيها أمام مفترق ثلاث طرق، لأنّها الوجهة الّتي تلبّي احتياجاتهم المختلفة. وبعدها يدخل إلى المستشفى رجل يتّضح أنّه جاء ليعاتب راكب الدّرّاجة، لأنّ هذه الدّرّاجة الّتي هشّمها مُلك له ولكنّه أيضًا يسأله عن مصير الكلب. وبعد خمس دقائق تدخل امرأة لا تسأله عن الأفاعي الرّقطاء الّتي هشّم رؤوسها في المختبر، بل عمّا فعله بزجاجة السّمّ. وبعد خمس دقائق أخرى يدخل عجوز ويسأله عن حفيدته الشّقراء وماذا فعل بها. وخمس دقائق أخرى تمرّ ويأتي رجل في الخمسين يغفر له أنّه كسر القارب، لكنّه يسائله عن البضاعة الّتي كانت على متن القارب. وبعد خمس دقائق أخرى تدخل مجموعة من الغجر عليه وهم ممتنّون ومبتهلون، همّهم استعادة رمز قداستهم وديانتهم القيثارة، الّتي يتّهمونه بأنّه قد أخفاها، هي قيثارة الشّيطان. ولم يهمّهم الجرائم الأخرى الّتي ارتكبها بعد أن اتّضح أنّه فارٌّ من مستشفى المجانين هذا على درّاجة ناريّة، فحسب قولهم قد يكون وهب الكلب للذّئاب، وشرب السّمّ مع الفتاة الشّقراء هي ماتت وهو لم يمت، دخّن نصف البضاعة وباع نصفها المتبقّي.
في هذه اللعبة لمفترقات الطّرق المفتوحة، تستفحل المتاهات وتتكاثر لتؤكّد عبثيّة الحياة. وفيها لا يتوانى الكاتب عن فتح الأبواب أمام مفترقات من الطّرق تغيّر من تخطيط راكب الدّراجة/ الإنسان لتدخله في متاهات جديدة تنفتح على بعضها كما لو كانت دوّامات حلزونيّة تتناسل. ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ هذه القصّة مكتوبة بدقّة فائقة كما أسلفتُ، يعمد غزالي فيها إلى اتّباع تقنيّة فنّيّة معقّدة، تستحقّ أكثر من قراءة وتحليل برأيي، وهي ما يشبه النّظر إلى مرايا السّيّارة الثّلاث: المرآة الأماميّة، اليمنى واليسرى. وهذه الجهات الثّلاث تحيل إلى مفترقات الطّرق الّتي تصادف مصير راكب الدّرّاجة النّاريّة. وكلّ طريق منها يشير إلى مسار وحياة، يتدخّل القدر دائمًا في تغيير المسار المرغوب فيه ويغيّر الوجهة. هذا القدر قد يكون إرادة الدّرّاجة أو الحكاية أو لا وعي راكب الدّرّاجة، أي أنّه قد يكون عاملاً داخليًّا في لاوعي الإنسان أو قد يكون مسبّبًا خارجيًّا مادّيًّا أو ما فوق الطّبيعة.
ويمكن ملاحظة أنّ الرّقم خمسة متكرّر في هذه الحكاية: الرّاكب يمرّ خمس مرّات في مفترق ثلاث طرق. خمس رجال صلع يشاركونه في غرفته في المستشفى. هناك خمس دقائق تمرّ بين شخص وآخر يأتي ليكشف عن جرائم راكب الدّرّاجة المجنون في المستشفى. والى جانب الرّقم خمسة، هناك رقم ثلاثة- ويذكّرني هذا التّكرار بواحدة من سمات الخرافة وهي تكرار العدد ثلاثة أو سبعة أو تكرار الحدث ثلاث مرّات أو سبع. وهناك أيضًا الهندسة الثّلاثيّة لفضاء الحكي، وربما هذا ما يعنيه الكاتب والمترجم عدنان المبارك في كلمته المكثّفة والعميقة على الغلاف الخلفيّ للكتاب بهندسة المثلثات.
وبالرّجوع إلى تشكيل القصّة الدّاخليّ، يمكن ملاحظة تداخل أكثر من بنية في كتابتها. فهي تعتمد البنية الدّائريّة، حيث أنّها تبتدىء بشاحنة الأكباش الّتي دهست الكلب وتعود إلى الشّاحنة الّتي دهست راكب الدّراجة، ليكون لفعل الدّهس هذا تَكشُّف بداية الحكاية ونهايتها أيضًا. كما تعتمد في الوقت نفسه البنية الحلزونيّة، إذ تتفرّع الأحداث وتتزاوج، وتفيض بشكل يتعذّر فيه الفهم في غالب مراحل الحكاية المركّبة حتّى تكشّفها في الأخير. وتترك أسئلة عالقة في نهايتها المفتوحة، ومنها على سبيل المثال: التّساؤل حول حقيقة هروب راكب الدّرّاجة من المستشفى، هل فعل هذا حقًّا؟ أم أنّ الأحداث الّتي شهدتها لحظاته كانت بفعل هذيانات جنونه أو هي محض حلم أو نسج من مخيّلته؟ بناءً على ما تَقدّم، يتعزّز اليقين بقدرة القصّة القصيرة العربيّة على التّجدّد من جهة، وبقدرة اسماعيل غزالي على الإدهاش والإمتاع والإرباك من جهة أخرى، فهو كمن يكسر الضّوء في ماء الكون لتتوالد أقواس قزح الحكايات.
وتبقى الإشارة إلى أنّ فرادة غزالي لا تكمن في نزوعه السّحريّ النّاهل من القصّ الكونيّ وحسب، بل في الرّوح الغنيّة بأطيافها المغربيّة والأمازيغيّة والعربيّة والإفريقية والمتوسطيّة الّتي يمهر بها نصّه القصصيّ المدهش والمستوقف. 31/3/2011 النّاصرة في الجليل
|
كتب التعليق ضيف في 2011-04-27 21:40:15 Fadhil Abbas منى.......... قراءة متفردة فعلا..... خسارة ليست عندي نسخة من الأصدار... هناك مساحة لإعداد دراما مسرحية منها... خاصة قصة النائمات على العشب... جهدك كبير... و محبتي وتقديري لك بمشاركتي أياك هذا الجمال.... وافر الود صديقتي Yesterday at 1:01am · فاضل عبّاس، مخرج مسرحيّ- العراق/ الجزائر، رسالة عبر الفيسبوك 26/4/2011 | منى ظاهر كتب التعليق ضيف في 2011-04-27 21:42:12 الصّديق فاضل مساؤك مزهر أقدّر لك كلماتك ومرورك، للتّفرّد اشتغال اجتهاد دائم. كن بخير وستصلك نسخة من الكتاب قريبًا | كتب التعليق ضيف في 2011-04-27 21:43:29 الكاتب محمود الريماوي "مقال جيد جيدا عن قصص جيدة جدا في "قاب قوسين Yesterday at 1:02am محمود الرّيماوي، كاتب من الأردن، رسالة عبر الفيسبوك، 26/4/2011 | منى ظاهر كتب التعليق ضيف في 2011-04-27 21:44:18 الكاتب القدير محمود الرّيماوي، رأيك شهادة أعتزّ بها وتعنيني. وقاب قوسين نافذة تلمّ الاقلام الجادة. دمت بعطاء وصحّة وإبداع | كتب التعليق ضيف في 2011-05-02 11:24:55 Hadeel Nashif April 28 at 10:44pm Report منى ... مساء المحبة والفرح قرأت مقالك ووصلت حتى منتصف الطريق ... ووجدتني مقتنعة تماما بأنه يترتب علي قراءة الكتاب اولا ثم العودة الى مقالك للاستمتاع به حتى الرمق الاخير . قلمك متمكن ومفرداتك تطرق ابواب البعد الثالث وتحقق نشوة المشتهي للذوق الرفيع والرؤيا الثاقبة . لك كل الشكر والاعجاب ... سأبحث عن الكتاب علني اوفق في الحصول عليه وسأعود الى ساحتك ثانية بلهفة اكبر . لك مودتي !! هديل ناشف الطّيبة، رسالة عبر الفيسبوك، 28/4/2011 | منى ظاهر كتب التعليق ضيف في 2011-05-02 11:29:03 العزيزة هديل صباحك ورد سعيدة برسالتك هذه وقراءتك. أواصل الحفر في الجوّانيّ والملتبس. الكتاب صادر في الأردن، لكن لي أن أطلب من الكاتب اسماعيل غزالي الإذن بأن أرسله لك إلكترونيًّا، كي تقرأيه وتتابعي قراءة مقالي مودّتي الدّائمة | |