|
حوار حول تجربة منى ظاهر في موقع الكاتب العراقيّ
نشر يتاريخ 13/3/2009، يوم الجمعة.
جوار: الكاتب والصّحافيّ سردار زنكنة كرديّ الأصل من كركوك- العراق.
"....
هو/ أنا/ أنتَ/ القتلُ/ صوتُ الياسمين:
ظلٌّ يتبع جسدَه بقلق دُهْمٍ؛ آهاتٌ تثوي هذه الكينونةَ المنثالةَ أنفاسًا تُزمّلُ بنقراتِها الرّوحَ القيثارةَ. هو وصالُ تَذكُّرِ روضِ حنينِه وتشرُّبِ تسرُّبِه. كما رنين رسغ الحياة، يكون وقع خلخال رِقّ لفائف الأرض ومنسوب السّماء المتكهرب في هذا التّفجّر للعالم. صمتٌ ينسابُ جسَدَه بعامود المكان المغترب عنه وفيه.. والمقترب بصراخ التّحرّقِ لرقصة الشّوق. .. .. .. . . تفاصيلُ الرّدى تتخبّط بالأبيض من جسده والأسود في الفراغ. .. وغبارٌ شرِسٌ تلفظُه الأرضُ. صوتٌ يقذفُ جنونًا متوحّشًا بدئيًّا في مساحة العتمةِ في ظلامه؛ هو نداء روحه المتوحِّد بعريه الموحِّد لكلّه. 13-15/8/2008 * * *"
الشاعرة الفلسطينية منى عادل ظاهر: أحاول أن أبني نمطًا جديدًا من الكتابة يخصّني ويميّزني مبنيّ على ثقافة ومعرفة وعلى خلخلة جميلة باشتغال لا تلغي الجماليّة حاورها: سردار زنكنة منى عادل ظاهر شاعرة وكاتبة فلسطينيّة ولدت في النّاصرة عام 1975 لأسرة عريقة، تنشر إنتاجها الأدبيّ في العديد من الدّوريّات الثّقافيّة حاصلة على شهادة البكالوريا- اللقب الأوّل في موضوع اللغة العربيّة وآدابها- مسار موسّع، من جامعة حيفا 2003. حاصلة على شهادة أساليب التّدريس، من جامعة حيفا 2006. حاصلة على شهادة في البحث النّسويّ 2003، من مؤسّسة العمل التّربويّ في بريطانيا، ضمن مشروع البحث والتّدريب للنّساء الفلسطينيّات. تدرس حاليًّا للّقب الثّاني- الماجستير في اللغة العربيّة وآدابها ضمن قسم علم الأديان في جامعة تلّ- أبيب. تعمل محرّرة ومدقّقة لغويّة ومركّزة الحقيبة الإعلاميّة في مركز الطّفولة في النّاصرة من العام 2000. - أنجزت بحثُا بعنوان: صورة المرأة في الخطاب الإعلاميّ الفلسطينيّ المكتوب في إسرائيل: قراءة من منظور النّوع الإجتماعيّ. ضمن مشروع البحث والتّدريب للنّساء الفلسطينيّات، وفي لقاء معها دار الحديث التالي:
* أنت شاعرة مبدعة ولك بصمة خاصة وواضحة ربما حتى دون ذكر اسمك على بعض مقالاتك، ولك براعة فنية واسلوب راق، هل تعتقدين بوجوب تلازم الوظيفة الجمالية والأنسانية في الرسالة الأدبية؟
بداية أشكر لك كلماتك الأستاذ الكاتب الصّحافيّ سردار زنكنة، وما يخطرني هنا هو الحديث عن ما قد أسمّيه بـ "إستهلال الكتابة": ولا بدّ لي أن أقتبس مقولات مهمّة بهذا الصّدد: "لن تلمسَ سوى الأشياء الّتي استطعتَ تخيّلها"- مقولة قديمة. "إذا أردت أن تجني من الوجود أسمى ما فيه، فعِش في خطر"- الفيلسوف الألمانيّ نيتشه. "إنّ شقاء التّجديد المتعثِّر أَفضل من سعادة التّقليد المتحجّر"- الشّاعر الفلسطينيّ محمود درويش. وكما أرى فإنّ الكتابة ومسؤوليّتها هي بحدّ ذاتها مقاومة، وكما تقول نوال السّعداويّ: أكتب لأقاوم الموت. وهي وسيلة للثّورة أيضًا، وكما قال الشّاعر نزار قبّاني "قومي، إنفعلي، إنفجري لا تقفي مثل المسمار". عندي الكتابة هي تحليق الرّغبة.. هي مرحلة اللذّة في الهذيان، هي الكلامُ الجديدُ، الوطنُ الغرامُ. إضافة لما ذكرت فقد يكون للجينات دور في هذه المقاومة الّتي أجدها منبثقة من اختيار التّعبير عن دواخلنا. لماذا الكتابة؟ لأنّها الّتي توصل اللاواعي مع الواعي... هي سيمفونيّة الإنسان الوسيط الخارج من السّرب، الّذي يريد لنصّه أن يبقى مفتوحًا على قراءات متواصلة، هو النّصّ المحمّل والمشحون شعوريًّا ولا شعوريًّا بمجموع رؤى الشّاعر/الكاتب وتجاربه وثقافاته. وأقول: تُوضَعُ الحدودُ لِنتذوَّقَ طعْمَ اختِراقِها وتلتقِي أحداثُ الأزمِنَةِ في تحليقِ الفراشة. عندما تكتب أنت تمارس الحياة وترقص جنونًا، أنت تخلق عوالم طبيعة ومرايا ملوّنة، أنت ترسم خطوط أجنحة الفراشة. وقد يكون هدف الكتابة أيضًا التّفريغ من أجل إعادة البلورة والخلق. أو أنّها الإلتفات للهامشيّ اليوميّ بأسلوب مغاير مستوقف لتحمله في غرائبيّة هذا الوجود. أظنّ بأنّ المكوّنات الّتي تخلق الشّاعر/ ة أوالكاتب/ ة، هي مكوّنات تنتمي بانحياز حادّ للطّبيعة، لجينات بيولوجيّة وروحيّة لعوالم خاصّة فيّ، ولطبيعة فيها من الشّراسة والتّمرّد اللاواعي لتكون خارج السّرب، لتغرّد بأسلوبها الخاصّ. وتخطّ طريقًا فردانيًّا يميّزها عن غيري.. الكتابة هي التّعبير الجوّانيّ عن الأعماق وعن رؤية للعالم وعلاقتها مع الأشياء والآخر دون ابتذال، بلّْ بكلّ الشّفافيّة والتّحليق.. الكتابة عندي هي ولع الليلك/ الشّعر خارج قوانين الكتابة التّقليديّة، هي الخارجة من دفاتر الرّوح والوجدان. الكتابة اللا تقبل المساومة، هي بداية منبعثة من الحفر والنّقش في الذّات غير المنفصلة عن البيئة والعالم، بمعنى أنّ الكتابة ليست آتية من فراغ. لكن قد تكون من عوالمي الّتي أكتب منها/ خلالها مختلفة: حلميّة/ عشقيّة/ علائقيّة بين الواعي واللاواعي/ منبثقة من واقع تتجاوزه لتفكّكه وتعيد تشكيله من جديد.
أنا أتحدّث هنا عن الشّاعر أو الكاتب الّذي يملك رؤية خاصّة للعالم، الّذي يؤسّس لعلاقات خاصّة بين لغته والأشياء والّذي يؤسّس لتقنيّة فنيّة وجماليّة خاصّة أو لغة شعريّة خاصّة.
* نراك تتحضرين للقب الثاني- الماجستير في اللغة العربية وآدابها ضمن قسم الأديان، ألا ترين اختيارك لهذا القسم مغاير لموهبتك وشهرتك، وبالأحرى ماهي نقطة الالتقاط بينهما، وما الذي أضافه إلى موهبتك الشعرية؟
مؤخّرًا بدأت دراستي في استكمالات للتّحضير للقب الثّاني في قسم اللغة العربيّة وآدابها والدّراسات الإسلاميّة، ضمن قسم علوم الأديان. أحاول بهذه الخطوة أن أطوّر رؤيتي عن طريق الدّراسة من أجل اكتساب مهارات نظريّة وعلميّة، أنا أكيدة أنّني سأوظّف معرفتي فيها وتعلّمي بشكل أو بآخر لتصبّ في تجربتي الأدبيّة. هذا وأنا أحاول أن أكتسب معرفة علميّة فيما يتعلّق بالدّراسة الأكاديميّة والاطّلاع على النّظريّات الأدبيّة النّقديّة من أجل معرفة الموجود ومحاولة تجاوزه إبداعيًّا. بالطّبع أنا هنا أحاول تسخير معرفتي الّتي سأكتسبها من أجل إضافة ومضات لتجربتي الإبداعيّة الحقيقيّة، إن شئنا أن نسمّي ذلك ثقافة أخرى لا بدّ لها أن تنضاف إلى بلورة الاطّلاع الشّخصيّ والانفتاح على الآداب العربيّة والعالميّة بكلّ أجناسها. لذا فهي تدخل ضمن اهتمامي الثّقافيّ، وأنا حذرة وحريصة على أن أتعامل مع كلّ هذا الكمّ المعرفيّ بحكمة لأنّ الهدف الأساسيّ هو ماكينة التّقطير الإبداعيّ الآتية من الحفر الجوّاني من أجل نقش المزيد من المعادن الدّفينة في الرّوح والعمق الوجوديّ والوجدانيّ غير المنفصل عن الكينونة الإنسانيّة العامّة. ولا بدّ لي هنا من الإلتفات إلى أنّ المبدع عليه أن يكون مثقّفًا أكثر من أجل الخلخلة الجديرة بأن تجعله مؤلّفًا يستفزّ القارىء والمتلقّي الدّارس والمهتمّ من أجل برعمة ونموّ بذرة جديدة للنّقد ليغدو هو الآخر إبداعًا آخر، بعد أن يتخلّص من المسلّمات من أجل أن يؤسّس لقراءات مضيئة غنيّة ومغنية- كما يقول أدونيس في كتابه موسيقى الحوت الأزرق.
* تجربتك الجديدة بعنوان (يوميات) والتي بدأت بكتابتها من حرب تموز 2006 وما يمر عليها فلسطين من أحداث وحتى يومنا هذا، أين وصلتي منها؟ وماذا عن الأسلوب الذي تتميزين به؟
الإبداع لا يمكن أن يكون إبداعًا دون أن يكون موصولاً وطارحًا لقيم وقضايا مجتمعيّة نعيشها. هو أيضًا صوتنا ولكلّ واحد فينا هويّته، أيّ أسلوبه هنا في طرح هذه القضايا. المبدع الحقيقيّ غير منفصل عن قضايا وهموم وآمال شعبه لأنّه جزء من هذا الشّعب، لكن كلُّ له أسلوبه في طرح هذه القيم ومن هنا فإنّه ينزاح إلى الإبداع شعرًا ونثرًا أو أيّ جنس أدبيّ آخر. وحاليًّا أنا أكتب تجربة أسميتها "يوميّات"، لكنّني حاليًّا أعطيها اسمًا آخر، وهو "نُتَفُ الوَجنةِ والوُجهة- كيمياء ذاكرة"، بدأت بكتابتها من حرب تمّوز 2006، مرورًا واسترجاعًا بالذّاكرة الجمعيّة والفرديّة- إنسانيّا ونفسيًّا وبالمكان هنا وبأرض فلسطين وما يمرّ عليها من أحداث، كلّ ذلك بتصوير مشاهد متنقّلة ومتراكمة من قبل النّكبة وحتّى يومنا هذا. في هذه التّجربة أنا أكتب نصًّا مختلفًا سيضفي جديدًا على محطّات مسيرتي الإبداعيّة.. أنا فخورة بما أنجزه حاليًّا لأنّه سيكون بصمة وإشارة أخلِِصُ فيها لتاريخ المنطقة الّتي أنتمي إليها وهي مسؤوليّة كبيرة وخطرة ومهمّة.. سأعمل بجدٍّ من أجل أن أنجزها بصورة وأبعاد جديدة، سيكتشفها القارىء لاحقًا.. هي نصّ يتكوّن وينمو. فيه صورتنا والآخَر، صورتنا في الخارج والدّاخل، وصورتنا في الدّاخل الدّاخل.. لي أن أنقل لكم هنا مقاطع منه:
هو/ أنا/ أنتَ/ القتلُ/ صوتُ الياسمين:
ظلٌّ يتبع جسدَه بقلق دُهْمٍ؛ آهاتٌ تثوي هذه الكينونةَ المنثالةَ أنفاسًا تُزمّلُ بنقراتِها الرّوحَ القيثارةَ. هو وصالُ تَذكُّرِ روضِ حنينِه وتشرُّبِ تسرُّبِه. كما رنين رسغ الحياة، يكون وقع خلخال رِقّ لفائف الأرض ومنسوب السّماء المتكهرب في هذا التّفجّر للعالم. صمتٌ ينسابُ جسَدَه بعامود المكان المغترب عنه وفيه.. والمقترب بصراخ التّحرّقِ لرقصة الشّوق. .. .. .. . . تفاصيلُ الرّدى تتخبّط بالأبيض من جسده والأسود في الفراغ. .. وغبارٌ شرِسٌ تلفظُه الأرضُ. صوتٌ يقذفُ جنونًا متوحّشًا بدئيًّا في مساحة العتمةِ في ظلامه؛ هو نداء روحه المتوحِّد بعريه الموحِّد لكلّه. 13-15/8/2008 * * * ذكراهُ شموع تتّقد تطالب بتخليده في المناهج المدرسيّة وإعادة دراسة ما أبدع.. ويكفي ما قاله صديق شاعر حفلات شواء مترهّلة؛ شهر أغسطس/آب شهر حزين في كلّ العالم؛ مليء بفقد شاعر فلسطينيّ عروبيّ عالميّ مقاوم- "محمود درويش"، رمز من رموز أرضنا- الشّاعر الباقي حضوره في القصيد والإحساس والهويّة والموقف.. وستبقى السّماء مجازًا لقصيدته. .. نظرة إلى هذا الأفق البعيد الدّاني.. ومرارةُ حنجرةٍ تُستتنزَف.. وعويل الرّوح يعُبُّ الخِدْرَ والضُّمور.. وخُواءٌ رقراق يتطيّرُ في المدى. وحوريّة الحنين ترتحلُ. .. .. إسرائيل تمنع استيراد كتب الأطفال العربيّة من سوريا ولبنان، بذريعة أنّها لا تزال في حال حرب معهما. .. حبّات الخرّوب الّتي أحضرَتْها ابنة الأخ، بعمر الأربعين، من الضّفّة لعمّها الكهل في مخيّم اليرموك في سوريا.. هي حبّات مرصّعات من ثمار شجرة الخرّوب الّتي زرعها بكفيّه هناك حين كان يعيش.. غَمرها هو بحضنه وسالت مياه عينيه على "كمشة" الثّمَر بين أصابعه. والحذاء الهُمام الّّذي يؤانس حشاشة الوجه الأوّل/ فوحَ الذّليل.
* * * ... في أرض مغبرّة بحشيش جبل، تنضوي أرواحٌ للخشب.. لتكون أرواح الخشب. وفي ذلك المكان الّذي سيؤول إلى يباب، ينسحب ثعبان ضخم مترَع بجوع كبير إلى جحره جرّاء استثارة من نظرة عينيه.. هو صاحب العصا الّتي من خشب/ في محجريه زهر التّلال الوحشيّ/ هو الطّوطم المقدّس/ هو انبثاقٌ مِنْ قتْل الأب الأوّل/ هو حدْسنا.
.. . تمطر سماؤنا بحبّات حزنٍ تشلَعُ قلب اللوز وزغب الحمائم البيض والسّود المتناثرات على السّطوح.. ضباب يتغشّاه ندى، لا تحدّه عتمة أو شمس. إرتطام نبرات في حفنة بحر. إرتطام دمعتين في زقاق سماء. خفوت ماكينة نبض وقلب. ولُبُوس غيم في ظلِّ رمل.. ودموع أبي. عدوان مستمرّ على البقعة الجغرافيّة الضّيّقة بكثافتها السّكّانيّة الأكبر على وجه الأرض؛ إنّها غزّة العصيّة على كلّ جنديّ وقائد من قرن من الزّمان.. رغم البطون المبقورة وبقايا الأدمغة المتناثرة على وجوه محطّمة أو مشوّهة أو متدلّية.. والأشلاء المترنّحة المترامية والمنفجرة أو المحترقة بفعل القصف المتهاطل لفوسفور نظيف أبيض ينزرع في النّصيرات، حيّ الزّيتون، العطاطرة، بيت حانون، بيت لاهيا، تلّ الهوى، حيّ التّفّاح وأماكن كثيرة أخرى دُمّر منها 60% من الأراضي الزّراعيّة أيضًا. .. شُحاج فاحم يشيع في هذا الزّمان.. وزجاج مطحون في الأفئدة.. و23 يومًا- يضمّ بين دقائقه 1300 جريح وآلافًا من الشّهداء من مختلف الأعمار من الجنسين. .. بعض حشراتِ جُعْلٍ تترك بعضًا من نثيث هيّن في الشّوارع الفرعيّة.. وشراغف صغيرة تتطاير.. وحصار لم يرَ الماءَ والكهرباء إلاّ يومًا ونصف.. ونزيف دماغٍ لكاتب يستفحلُ وتناثر أقداحٍ من نبيذ/دم. في اليوم السّابع؛ تحلم الأمّ بالابن الّذي تراه شابًّا، يتقلّص حجمه تدريجيًّا.. والأطفال الكثر بدون رؤوس وبدون حياة.
وفي خضمّ الحاصل: حالة الطّوارىء تُعلن استعدادها في الحادي عشر من يناير/ كانون الثّاني في مستوطنة سديروت: كلب ينقتل بصاروخ مقاوِم يقع على بيت هناك، حيث تنهمر عدسات المصوّرين والإعلاميّين لتوثّق هذا الحدث الجلل.. وأتذكّر أنا الهرّة "ويلي" في بيتها الأبيض والعائلة الأمريكيّة الأولى تعبّر عن أسفها البالغ لموتها. وعلى هذه السّيرة، يخطرني ما قاله ذو الكوفيّة من مخيّم الجلزون في رام الله: "شكلُ الكلاب عندنا ليس وسيمًا وهي نحيلة.. والقطط عندنا تبطَح الكلاب". ويضيف صحافيّ مغترب في لقاء تلفزيونيّ: "ليْتهم يعاملوننا هنا ككلاب مدينتي الّتي أسكنها- تلك الإنجليزيّة، فقد سجنوا شخصًا لمدّة ستّ سنوات لأنّه قتلَ جَروًا.. ونحن! ما حُكمُ من يعيث في أجسادنا حقول ألغام وأسلحة محرّمة دوليًّا؟َ!". .. حوار مغتصب لبقايا زجاج: - هلّْ تعلمين أنّني رأيت أمّي على نقّالة إسعاف اليوم؟ - حقًّا! أين؟ - على هذه الشّاشة الصّغيرة المتأجّجة.. في غزّة.. - أنت تمزح! - .. وكذبت على أبنائي.. قلتُ أنّها ليست هي.. - ... - عمرها ثمانون عامًا.. هي مقعدة، لا تستطيع أن تمشي وحدها. - أنت هناك وهي هنا.. لم أعرف، أيعقَل! - .. وخسرت اثنين من أقاربي هناك؛ طبيب وممرّض خلال رشّات الأيّام الماضية. .. ذباب ينطّ نطّات عاليات في وحل نبات اليتوع على مفارش جواعِد وجاعد.. طباشير جيريّة وكوابيس متاهات في سدود ماء ونخل. .. "ليش أبوي هيك يْروح هَدَر؟" جملة البنت ذات العينين السّوداوين والشّعر الأكحل تقولها باكية.. ترحيلة من دمار إلى دمار، لأنّه ما تبقّى.
بعد ساعات من إعلان وقف إطلاق النّار: الدّمار.. والنّاس يهرولون ليلمّوا أشلاء أشياء وبشر وأعضاء بشر من تحت الدّمار، من بين الرّدم: شابّ أزاح حجر بلوك ليجد جثّة طفل بكينونة مبيضّة جامدة، أشار إليه ذاهلاً صارخًا.. إرتجف وصرخ ونادى.. صرخ متسمّرًا، صرخ ورفض الخروج من تحت الرّكام، توسّد الأرض وصرخ.. حمله أخواه من ذراعيه ورجليه وصرخ.. وخرجوا.. وكان هو يحملق مشدوهًا وصمَت ت ت ت ت. .. والطّفل يوسف نائم على بياضات سرير في المشفى، بعد أن أصيب بشظايا قذيفة زرعت في بيته، رغم الإنسحاب المموّه هذا.. وتبقى عينا لؤيّ صبح شاهدتين، رغم انتزاع القذائف لبصرهما، على الألم والحروق في جسده وهول الفجيعة بأمّه وأبيه وأخته وأخيه.. وترنّ جملة محمّد "يْحِنُّوا علينا.. على الأقلّ يِسْقُونا" وهي مغموسة بقيعان النّفس المتسائلة "لِمَ؟".. وجميلة تظلّ بلا ساقين.
* حبذا لو تتحدثين عن صورة المرأة في الخطاب الأعلام الفلسطيني المكتوب في اسرائيل، وهل لها صوت داخل المجتمع الإسرائيلي؟
"صورة المرأة في الخطاب الإعلاميّ الفلسطينيّ المكتوب في إسرائيل: قراءة من منظور النّوع الإجتماعيّ" هو البحث الّّذي أنجزته ضمن مشروع البحث والتّدريب للنّساء الفلسطينيّات والّتي انتدِبت إليه من مركز الطّفولة في النّاصرة، وهو مكان عملي، والّذي صدر في كانون الأوّل-ديسمبر 2006، بدعم من مؤسّسة العمل التّربويّ في لندن . هذا وقد جاء هذا البحث لفحص وتحليل صورة المرأة في الخطاب الإعلاميّ الفلسطينيّ المكتوب في داخل دولة إسرائيل من منظور النّوع الإجتماعيّ، لتوفير مادّة مدروسة وتوصيات للمؤسّسات النّسوية والإعلاميّة من أجل تحسين الأداء وتطوير أوضاع النّساء. رغم أنّ هناك دراسات مقارنة حول موضوع تحليل المضمون في الإعلام المكتوب في فلسطين والعالم العربيّ، إلا أنّه لا توجد أيّة دراسة تمّت في داخل دولة إسرائيل بمنهجيّة تحليل المضمون ومن منظور النّوع الإجتماعيّ. من هنا فإنّ هذه الدّراسة هي الدّراسة الأولى من نوعها في داخل إسرائيل. يشكّل هذا البحث دراسة أساسيّة لمعلومات وبيانات حول تعامل الإعلام الفلسطينيّ المكتوب في داخل إسرائيل تجاه قضايا النّوع الإجتماعيّ، بالإضافة إلى أهمّيّة تحديد فجوات النّوع الإجتماعيّ بين الرّجل والمرأة في المجتمع إظهارها في الإعلام المكتوب، لتكثيف الوعيّ الرّسمي والشّعبيّ لأهمّيّة معالجة كافّة الممارسات التقليديّة النّمطيّة تجاه أدوارهما. المنهجيّة التي اتّبعت في هذه الدّراسة هي منهجيّة البحث النّوعيّ. وفيه تمّ استخدام مؤشّرات كمّيّة، تتضمّن بيانات إحصائيّة ومؤشّرات عدديّة. تمّ اختيار العيّنة من الإعلام الفلسطيني المكتوب داخل دولة إسرائيل وهي عيّنة ممثّلة في الفترة الزّمنيّة من بداية عام 2002 وحتّى نهايته (شهر كانون الثّاني لغاية كانون الأوّل1-12). ومن أهمّ النّتائج العامّة الّتي ظهرت في عيّنة المجلاّت والصّحف هي: أ) إنّ الإعلام الفلسطينيّ المكتوب من صحف ومجلاّت عربيّة في داخل دولة إسرائيل كما الإعلام عموما هو مرآة تعكس الوضع الإجتماعيّ، الإقتصاديّ والسّياسيّ للعرب الذين يشكّلون 19% من سكّان الدّولة. وهو على الغالب يمَوّل عن طريق الإعلانات التّجارية والدّعايات. أيّ أنّه يكون خاضعا لسلطة الشّركات التّجاريّة. مثلا: الموضوع الذي يحتلّ أكبر حيّز من الصّفحات لعيّنة المجلّتين هو الإعلانات والدّعاية. ب) رغم التّعرّض للموضوعات الاجتماعيّة الخاصّة بالعلاقات الأسريّة ودور المرأة في التّغيير الاجتماعيّ ومشاركتها في الأدوار الثّلاثة: الإنجابيّ، المجتمعيّ والإنتاجيّ، إلاّ أنّ طرح هذه المواضيع على الغالب في هذا الإعلام المكتوب من صحف ومجلاّت، اتّسم بالطابع الذي يغلب عليه السّرد الخالي من التّحليل أو التعّمق في مناقشة أبعاد القضايا والمشكلات الّتي تواجه النّساء في مجتمعنا الفلسطينيّ في إسرائيل، سواء في الحياة الأسريّة أو في أدوارهنّ الأخرى: المجتمعيّة، أيّ السّياسيّة والاجتماعيةّ، والإنتاجيّة أيّ تملّك المصادر والمشاركة في اتّخاذ القرار. ت) غالبيّة هذه المواد الإعلاميّة التي دخلت البحث أشارت إلى: 1) الأدوار التّقليديّة للمرأة: زوجة، أمّ وربّة بيت- الحيّز الخاصّ والدّور الإنجابيّ. 2) التحّيز لنساء المدن على حساب نساء القرى. 3) الاهتمام بأنوثة المرأة وجمالها وأناقتها. 4) التّركيز على النّماذج الغربيّة للمرأة وترويج القِيم الإستهلاكيّة الغربيّة. 5) التحيّز لصالح الفئات المرفّهة والمحظوظة في المجتمع، والعمل على إشغال النّساء عن مواضيع الإطار السّياسيّ والإقتصاديّ والاجتماعيّ. ث) الرّسالة المعلنة في عيّنة الإعلام المكتوب من صحف ومجلاّت تشير إلى أنّه لا توجد كوادر نسائيّة للعمل فيه، والسّبب عند المحرّرين والمحرّرات غير معروف. لكنّ الرّسالة المخفيّة غير المعلّنة تشير إلى أنّ المراسِلات أو النّساء الصّحافيّات اللاّئي يعملن على الخبر أو التّقرير يتقاضين أجورا ماليّة بخيسة لا تفي بمجهودهنّ وتعبهنّ في المهنة، إضافة إلى أنّ ساعات العمل طويلة لإمرأة تعمل بوظيفة ثابتة في الصّحافة.
* كيف تنظرين الى أزمة الشعر النسائي باعتبارها أكثر التصاقا بقضايا المرأة؟
سأتطرّق هنا لتناول إبداع المرأة الكتابيّ دون الخوض في مسمّى النّصّ، لأنّني من فترة وأنا أكتب دون الانشغال بتصنيف ما أكتب. نصّي رافض للتّجنيس، فيه نبش في جسد اللغة منبثق من طين رمزيّ. فيه نقش أعمق في الرّوح- روحي، باشتغال جادّ على المعنى واللغة وفسيفساء وجودي ما بين الأسطورة والواقع. بلا شكّ ما أكتبه هو سيرة مضمون وشكل من ضوء ونار. وكما تشير الدّراسات فإنّ الحديث عن الحياة الإبداعيّة للنّساء، يعني بالضّرورة الحديث ليس فقط عن القضايا الثّقافيّة- بمعنى القضايا الجماليّة- وإنّما أيضًا دراسة القضايا الإجتماعيّة الثّقافيّة، مثل الإقتصاد السّياسيّ والتّاريخ الإجتماعيّ. فكما تشير رضا ضاهر في معرض تحليلها لغرفة فرجينيا وولف الصّادر عام 2001 فإنّها تشير إلى أنّ ضمان الشّروط المادّيّة للحرّيّة وصفاء الذّهن لدى الكاتبات هو وحده الّّذي يسمح لهنّ بإنتاج الأدب. ومن هنا أهمّيّة تجاوز القيود الدّاخلية والخارجيّة أيضًا من أجل الإبداع والكتابة. لذا فإنّنا نجد أنّه على مرّ العصور تفوّق الرّجال على النّساء في الكتابة في العالمين العربيّ والغربيّ، لأنّه لم يكن مسموحًا للنّساء بالتّنقّل والتّجربة في كلّ الميادين كالقرن السّابع عشر والثّامن عشر مع تفاوت بين قرن وآخر. وفي خضمّ هذا الواقع المجتمعيّ الّذي نعيشه، ومع تزايد إعلان المجتمع الدّوليّ بتوفير الإمكانات المتساوية لكلّ الأفراد فيه، فإنّه يترتّب على كلّ مجتمع تطوير القدرات الذّاتية لأفراده ومشاركتها مجتمعيًّا وإنتاجيًّا. ومن هنا أهمّية تغيير الأدوار بين النّساء والرّجال في المجتمع، أيّْ تغيير التّقسيم الوظيفيّ بين الجنسين. وطبعا هناك تحدّيات وصعوبات تواجه المرأة العربيّة عمومًا مقارنة مع الرّجل في ظلّ مجتمع أبويّ يرجّح كفّة الميزان للرّجل ويعطيه كلّ الإمتيازات في الحيّز العامّ والخاصّ، فكيف بالحريّ إن كانت المرأة كاتبة أو شاعرة أو كلاهما معًا. وحسب الضّاهر فإنّ النّساء الكاتبات عليهنّ أن يتجاوزن عائقين أساسيّين هما: الأوّل- عائق قبول حقيقة أنّه من الصّعب عليهنّ أن يكتبنَ لأنّهنّ تابعات (أيّْ عليهنّ أن لا يكنّ تابعات). والثّاني- عائق أنّهنّ حُرمنَ من إنتاج الأشكال الثّقافيّة وأنّهنّ بلا صوت ومرغمات على الصّمت (أيّْ عليهنّ إنتاج الأشكال الثّقافيّة واللاصمت). لذا ليس من العجب أن نرى أنّه على مرّ العصور منذ بداية حمل المرأة للقلم رافقتها ممنوعات كثيرة أوّلها العادات والتّقاليد. فنجد نساء كثيرات كتبن بأسماء مستعارة ونشرن إبداعاتهنّ بأسماء مستعارة، أو حتّى بأسماء رجال. ثمّ خرقت النّساء هذا الحاجز إلى حدّ كبير لتخرج المرأة معبّرة عن كينونتها كلّها، لذا فإنّ المرأة الكاتبة وخصوصًا العربيّة، لأنّه موضوع اهتمامي في هذه الدّراسة، الّتي تتطرّق لمواضيع معيشيّة حياتيّة ثقافيّة وأيضًا تعنى بالمرأة، هي تساهم بالضّرورة في عكس واقع تعيشه، ومن ثمّ تسعى للتّأثير عليه.
هذا وتجدر الإشارة إلى أنّ كل إنسان منّا فيه قوّتان، إحداهما ذكوريّة والأخرى أنثويّة. ونستخلص من ذلك أنّ عقل الكاتبة ثنائيّ الجنس ينفتح على لعبة الإختلاف بين الرّجل والمرأة. وهذا يحدث عندما تكتب من اللاواعي. وهذا يفسّر، حسب رأيي، تقمّص المرأة الكاتبة لشخصيّة الرّجل في كتاباتها.
هذا وغالبًا ما تكون المرأة الكاتبة ملاحقَة، وتوجَّه إليها انتقادات عديدة بسبب السّيطرة الرّجوليّة في المجتمع وعلى المنابر الأدبيّة والثّقافيّة. هذا وكما يشير نقّاد عرب وأجانب بأنّ الصّوت العربيّ النّسائيّ بدأ يعلو إنطلاقًا من رواية "أنا أحيا" للّبنانيّة "ليلى بعلبكي"، الصّادرة عام 1958. والسّوريّة "كوليت خوري" في روايتها "أيّام معه" الصّادرة عام 1960. و"عيناك قدري" في العام 1962 للسّوريّة غادة السّمّان.. حيث أنّ النّساء الكاتبات بدأن يعبّرن عن فردانيّتهنّ وصوتهنّ الخاصّ، وهنّ يفتّشن عن أساليب كتابيّة مغايرة للتّعبير عن أنفسهنّ في كتابتهنّ للرّواية.. وفي تلك الأعمال تغيّرت المفاهيم السّائدة من الكتّاب الرّجال، خصوصُا حول نظرتهم وتصويرهم لشخصيّة المرأة في كتاباتهم، وذلك لكون المرأة في تلك الأعمال الّتي تكتبها النّساء كانت هي السّاردة، فقد صوّرت شخصيّة المرأة بشكل آخر مختلف، وتناولت قضايا تخصّ النّساء.. ويكون التّركيز أيضًا على العواطف والأحاسيس.. وكما يذكر صلاح صالح في مقال له عن سرد الأنثى (ضمن كتابه "سرد الآخَر عبر اللغة السّرديّة"، الدّار البيضاء وبيروت: المركز الثّقافيّ العربيّ 2003) فإنّه يشير إلى أنّ الكتابات النّسائيّة مرتبطة بسرد المغلق، أيّْ أنّ الكاتبة تتحدّث عن نفسها على أنّها بنظرها وبنظر الآخرين موجودة في غرفة مغلقة تحيل إلى انعزالها الاجتماعيّ، بالإضافة إلى تعاملها مع جسدها على أنّه غرفة مقفلة، لذا يكون التّركيز على سرد المغلق، ونجد أنّه يظهر بواسطة أساليب مختلفة، منها: القفل والمفتاح وما له من دلالات جنسيّة واضحة- الرّجل هو صاحب مفتاح قفل المرأة. وأيضًا يزيد أنّه في نصوص الكاتبات هناك إشارات تعبيريّة واضحة تدلّ على الإغلاق والإقفال والإنكماش.. أو استعمال استعارات وتعابير إيحائيّة مواربة خصوصُا في المواضيع الجنسيّة.
* ماهي مواصفات القصيدة الناجحة التي يصفق لها القارىء؟
أن تكون شاعرًا وشاعرةً يعني أن تتلمّس دربك في الطّرق الجبليّة الوعرة، القابعة في سحاب الأرض، دون مساومة. أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن تغوص في الأعماق البحريّة لتخلخل رمليّتها المهتاجة. أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن ترى حجر الجحيم في الحَفرِ في روحك.. أن تنكشف في ذاتك على ذاتك، أن تنطلق منها في لا وعيك إلى وعيك. أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن تخرج من الأنا الفرديّ لتكون في الذّات الإنسانيّة الّتي لا تنفصل عن كونها جزءًا من الطّبيعة.. فالشّاعر والشّاعرة الحقيقيّان هما جزء من البحر والوردة، من الهواء والشّجرة، هما جزء من كلّ الكينونة العامّة. أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن لا تنفصل عن واقع شعبك وهمومه، وعن آماله وأحلامه وأن تواصل الكشف بهدف المزيد من المعرفة وليس الإبتذال. أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن تكون طليعيّا، أن تكون تجريبيّا، أن تكون قادرًا على زلزلة داخلك أوّلا، أن تكون فراشةً ونسرًا وذئبًا.. وأن تعمل لأن تكون رئة الحرّيّة الإضافيّة خلال حركة الزّمن وسيرورته وصيرورته، لذا من المهمّ تطوير الأدوات والتّجربة الإنسانيّة. الآن الواقع الّذي نعيشه هنا، وفي ظلّ الظّروف الّتي تحاصر ثقافتنا خصوصًا، في الدّاخل الفلسطينيّ في دولة إسرائيل، وتسعى لتهميش لغتنا العربيّة ومحو تراثنا الفلسطيّنيّ بكلّ جوانبه، وتشويه ذاكرتنا الحيّة. أرى أنّه من الضّروريّ العمل على الإبداع بكلّ أشكاله من فنّ وموسيقى وأدب وشعر بصورة تُظهِر هويّتنا الفلسطينيّة ولغتنا العربيّة السّليمة وانتماءنا المتجذّر فيها. ولأنّنا حافظنا على ما تبقّى لنا من وطننا، لذا لنا دور إيجابيّ كبير ومهمّ للغاية في توحيد كافّة صفوف الأدباء والكتّاب الفلسطينيّين للعمل على توظيف ذاكرتنا وواقعنا اليوميّ المعيشيّ في إبداعنا، في خضمّ واقعٍ صارخٍ بالتّمييز ضدّنا على كافّة الصّعد وحتّى التّفكير في اتّخاذ خطوات وتدابير لترحيلنا أو ما يعرف بمصطلح التّرانسفير". لذلك من المهمّ العمل على تطوير وعينا ومداركنا في هذا الشّأن بالغ الأهمّيّة. إنّ الإبداع الّذي يمثّل كينونة إنسانيّتنا بما فيها من أرخبيل مكوّناتنا الثّقافيّة لا تنفصل عن المتغيّرات السّياسيّة والإجتماعيّة والفكريّة للمرحلة الّتي نعايشها كعرب فلسطينيّين في أراضي ال 1948. حاليًّا وكما ذكرت في معرض حديثي عن الكتابة أنا أحاول أن أبني نمطًا جديدًا من الكتابة يخصّني ويميّزني مبنيّ على ثقافة ومعرفة وعلى خلخلة جميلة باشتغال لا تلغي الجماليّة الموجودة فقد أكتب نصًّا لا يبدو شعرًا، لكن روحه شعر ويحمل ايقاعه وموسيقاه. لو أنّنا نتواصل مع الشّعر حقًّا بأرواحنا من خلال استعمال معرفتنا ورؤيتنا، كنّا قد حقّقنا تواصلاً متبادلاً معه. كلّ واحد منّا يختلف عن الآخر بتعامله مع كلّ الكائنات والأشياء وفقًا لثقافته ورؤيته. على الشّعر أن يكون منبثقّا منّا حقّا من تواصلنا مع ذواتنا، إن كان كما يجب أن نكون كإنسانيّين متحوّلين باستمرار/ نتخطّى أنفسنا وعالمنا.. أيّ أنّ هويّتنا مفتوحة نتكوّن فيها وتتكوّن فينا وكلانا نتكامل باستمرار. وأضيف: أنّ قوانين الكاتب عمومًا هي فقط قناعاته نفسه. وهذا الكاتب الحقيقيّ نفسه هو الإنسانيّ فينا. أنا أركّز هنا على الإبداع الرّافض للإبتذال، الرّافض للمساومة، الّّذي يمكن للقارىء الانتقائيّ الفعّال الجادّ أن يستشعر نصّه الحقيقيّ.
* هل لك اطلاع على الشعر والأدب الكردي خاصة الأصوات النسائية؟ وهل قرأت لأحد منهن؟
طبعًا هناك الكثير من النّصوص الّتي تلفتني بشكل شخصيّ لأدباء أكراد يكتبون باللغة العربيّة مع اشتغال مثير للاهتمام، ومستوقف إيّاك عند هذه اللغة والتّركيبة الجماليّة والمنزاحة الّتي تستحقّ الإلتفات والدّراسة. بالإضافة إلى تناول الغريب في اللغة وتناوله في تركيبة الجملة لتضيف إثراء آخر عليها. لن أخوض في الأسماء.. لكن أقول بأنّ العمل الجادّ بأيّ لغة كان هو الأساس وهو الباقي. والإبداع سيمتاز أكثر ويعلو أفقه حين ينكتب نصوصًا تضاهي نصوص كتّاب يكتبونها بلغتهم الأمّ بالشّكل والمعنى. وذلك سيكون محفّزًا لمزيد من الاشتغال والإجتهاد وشحذ المخيّلة والتّخييل. مع العلم أنّ هذا الأدب وللأسف لا يصلنا ورقيًّا، على الغالب نحن نصادفه ثمّ نبدأ في البحث عنه داخل هذا العالم الافتراضيّ- الشّبكة العنكبوتيّة- الإنترنت. وهذه دعوة منّي أيضًا لأن تمرّ أنامل كلّ مهتمّ ومهتمّة لدخول نافذتي عبر موقعي www.mona.ws
بماذا تحبين أن نختتم الحوار، قولي ما تشائين؟
بداية أشكر لكم أستاذ سردار زنكنة اهتمامكم بالتّعريف عنّي وإبداعي للقارىء والقارئة في كركوك العراق، ويشرّفني هذا التّواصل. وأورد هنا مقاطع من كتابي الأخير الّذي أعتبره تحليقًا آخر في سماء الإبداع وثورة تضجّ بجديد وغواية، يحمل عنوان: "خميلُ كسلِها الصّباحيّ"- خزفيّة نصّيّة لرفسةِ غزال، الصّادر عن دار أزمنة- عمّان الأردن 2008. وقد جرّبت نصوصه الدّعسَ بين أواخر أيلول/سبتمبر 2003 حتّى أواخر تشرين الأوّل/أكتوبر 2007، رقصاتها كانت في اضطراب أمكنةٍ في النّاصرة وعمّان وفرنسا والمغرب. هو عمل متطرّف يستثمر الأسطورة عمومًا، بمخيّلة عالية وبتركيب خزف مكوّن من 48 دعسة؛ فيه تصوير لما يعتمل الكائن من شهوة وفوضى وفكر ورغبة ولا استقرار وجوديّ وإنسانيّ. هو عجينة بتوظيف مضامين وبمغامرة لغويّة منزاحة وبإيقاع شذريّ.. هذه الشّذرة ذات التّكثيف الدّلاليّ والإستنطاق الشّعريّ الممارِس اللعب الإيقاعيّ بالكلمة.
*ذئبُ الحافّة آتٍ*
يَثِبُ الذّئبُ متابعًا الشّريطَ الّذي يَنِزُّ من كاحِلَيْها، ليضحى اللاشيء قادرًا على الحياةِ.. إمرأةُ الثّلاثين تلكَ الّتي تربِطُهُ بحُمرتِهِ، تتسكّعُ عندَ الحافّةِ.. ويتَعَقّبُها.. .. عندَ سَكَراتِ الموتِ بعدما يُدَمْدِمُ الرّجُلُ لأنّهُ لم يطَأ تلكَ الحافّةَ، ينزَلِقُ من دَعْسِ خطواتها إلى حيثُ احتراقِ الرّائحَةِ.
شبيهُ الرّيح يعلن أنّه لم يجئ في أوان الوقتِ.. . . إنْسِرابُ عَسَلِ اللُبنى يَهْرِقُ العَياءَ في قواريرِه الّتي تملأُ المكانَ فَتتشَبَّعُ مساحاتُها بترَنُّحِ الرَّاحَةِ. . . عَرَقُها المُتَحَرِّكُ بعِطْرِ جَسَدِها البدئيِّ المُنْقَذِفِ إلى الخَميرَةِ المطبوخَةِ فيهِ هو الرّجُلُ، تلكَ العَجينَةُ الصّلْصالَةُ مِنَ الخَمائِرِ المحتالَةُ المُسْبلَةُ في حَفْرِيّاتِ انشطاراتِ جَسَدِهِ/ روحِه، تَشِمُهُ بوشوم ظبيةٍ لا ترومُ تتغشَّاهُ بكتابَةِ نقاطٍ ذئبيَّةٍ/ مستئذِبَةٍ، تَحْجمُ عنهُ عُمرَ الزّمانِ، ليتجلّى مِنْ كُوَّةٍ لا فَناءَ فيها.. لذا يكونُ يضحى لا عمرَ له. .. وُشُومُها شاهِدَةُ تَجلِّيه. * * * على بُعْدِ هاويتينِ، عندَ شجرةِ كستناء باسقةٍ- يستشرِسُ ذاكَ الذّئبُ من نظرةٍ مستَفْحِلَةٍ مخاتِلَةٍ تطلُّ من شرقِ القمَر. ... أنامُ على ثَمالَةِ صَحْوِهِ، ذاكَ المشتبِكُ فِيَّ، هو أوّلُ الاشتعالِ وآخِرُ الرّمادِ. ... إحساسٌ ضارٍ ينشَطِرُ لهُ الجَسَدُ من ريحِهِ العاتِيَةِ، الّتي تلْهِبُ الغرفَةَ، تلكَ الّتي تُتَمْتِمُ بِظِلالِ اليومِ وهسهساتِ غُرْبَتِنا. إنفلاتُ اشتياقِنا يُشْعِلُ الأبديَّةَ.. وتغدو الخرائطُ لصيقَةً متناهية. * * *
مِنْ عَلٍ، حيثُ تناديهِ الفقماتُ طويلاتُ الشّاربِ:"أوروكَ.. أوروكَ" .. ذاكَ الطّفلُ من الرّجُلِ الّذي كانَ غدا وحيدًَا والمرأةِ الّتي يبحثُ طفلها عن جِلْدِها الفقمة، هناكَ حيثُ الشّواطئ الفضّيّة كَرْكَرَاتٌ من شفاهٍ هي تجلّيات سيقانٍ طويلةٍ رفيعة مطهّمة بخلاخيل ملوّنةٍ.. هي رقصات على دِفء نغماتِ نبراتِ الوهمِ العاشق.. .. مِِن على صخرةٍ مرقّطةٍ في البحرِ هناكَ، أطلّت وقالت: تعلّمتُ أن لا أُصَدِّقَ شفاهَ آدم. تقلَّبَتْ عندها موازينُ دورَتهِ الدّمويّة بانفعالٍ مائيٍّ مُتَّقِد، أجابَها: نعم، لا تُصَدِّقي اشتياقي، ولا أنّي أموتُ حتّى ألقاكِ.. ولا تُصَدِّقي أنّ العيونَ فِيَّ، ترياقُها نظرة في اتّساعِ عينيكِ! لا تُصَدِّقي كلَّ هذا، لا تُصَدِّقيني.. صَدِّقي أن لا تُصَدِّقي. .. يجدُ بعدها الطّفلُ جِلدَ أمّه. . . . يتحجَّرُ الرّجُلُ مكانَهُ، كما لو أنَّهُ رأى رأسَ ميدوسّا/ الجورجونة.. يقوِّضُهُ الزّمانُ.. وَيَحْتَدِمُ عِطْرُ النّاردينِ فيهِ ويَهْصِرُهُ، حينَ تنْقَشِعُ فَوْرَةُ المياهِ عنْ أرخبيلِ الجَسَدِ العاجيِّ، كما لو أنّهُ امتِشاقٌ في تمثالِ النّحاتِ بيجماليون .
صدر لها: 1) شهريار العصر، مجموعة شعريّة ( 1997، النّاصرة). 2) ليلكيّات، مجموعة شعريّة ( 2001، النّاصرة). 3) طعم التّفّاح، مجموعة شعريّة ( فبراير 2003، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، سلسلة كتابات جديدة، القاهرة- مصر). 4) حكايات جدّتي موفادّت، نصوص ( أغسطس 2003، دار العالم الثّالث، سلسلة الأدب الفلسطينيّ، القاهرة- مصر). 5) أصابع، نصوص (فبراير 2006، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، بيروت-لبنان). 6) خميل كسَلها الصّباحيّ- خزفيّة نصّيّة لرفسة غزال، نصوص (دار أزمنة- عمّان 2008). 7) وحاليًّا بصدد كتابة تجربة بعنوان مؤقّت: يوميّات ، بدأت بكتابتها من حرب تمّوز 2006، مرورًا واسترجاعًا بالذّاكرة الجمعيّة والفرديّة إنسانيّا ونفسيًّا وبالمكان هنا وبأرض فلسطين وما يمرّ عليها من أحداث، كلّ ذلك بتصوير مشاهد متنقّلة ومتراكمة من قبل النّكبة وحتّى يومنا هذا.
|
كتب التعليق ضيف في 2009-03-14 23:41:56 Dear Mona, What a wonderful article, I was very proud of reading the article and sharing it with colleagues and friends in the U.S. where I am staying meanwhile until the next Friday. Great job and thank you for sending this article to me. Fathi فتحي مرشود- حيفا (رسالة عبر البريد الإلكتروني يوم السّبت 14/3/2009) | منى ظاهر كتب التعليق ضيف في 2009-03-14 23:43:10 عزيزي فتحي سفرة موفّقة وممتعة. أكيد يسعدني أنّك قرأت الحوار وشاركت به زملاء وأصدقاء هذا يهمّني. أتمنّى لك رجوعًا سالمًا مودّتي | كتب التعليق ضيف في 2009-03-14 23:45:51 عزيزتي منى, لك حضور طاغ ٍ أينما ذهبت فاحتلي الارض ولا تتركي بقعة في عطارد هنيئا لي بك, وتمنياتي لك بالتمادي في التألق أثير صفا، باقة الغربيّة (رسالة عبر البريد الالكترونيّ، يوم السّبت 14/3/2009)
| منى ظاهر كتب التعليق ضيف في 2009-03-14 23:47:12 والله يا أثير كلماتك تهطل عليّ بطاقات رهيبة من الغبطة والتّفاؤل جميل أن يحتلّ حضورنا الكون كلّه بما فيه من كواكب ومجرّات محبّتي | كتب التعليق ضيف في 2009-03-14 23:48:54 شكرا، عافاك الله، ومنها للمزيد والمزيد د. جريس خوري- جامعة تلّ أبيب (رسالة عبر البريد الالكترونيّ، يوم السّبت 14/3/2009)
| منى ظاهر كتب التعليق ضيف في 2009-03-14 23:49:34 لك شكري وتقديري عزيزي د. جريس ويسعدني أنّك مررت بنصّ الحوار دمت بكلّ الخير والتألّق إن شاء الله إحترامي
| كتب التعليق ضيف في 2009-03-17 18:20:58 Dear Mona I have to admit that I didn't read the whole interview, but a part of it. However, I still can say that even here you are writing poetry, your language is wonderful. Moreover, I see that quoting Neirzche, Darwish, Al-Saadawi and others emphasizes how educated you are. You should be proud of yourself. Yours Ruba ربى سمعان- النّاصرة (رسالة عبر البريد الالكتروني، يوم 15/3/2009) | منى ظاهر كتب التعليق ضيف في 2009-03-17 18:21:54 عزيزتي وصديقتي ربى سعيدة أنا أنّ طاقة كلماتي وصلتك، حتّى وإن لم تقرأي كلّ الحوار لنا أن نجتهد دائمًا لنضيء بضوء مشاعل أرواحنا دربنا/ حلمنا الآيل للتّحقّق. محبّتي
| كتب التعليق ضيف في 2009-03-31 23:26:01 مساء الخير منى بالنسبة للموقع العراقي اهنئك طبعا على هذا النشر واتمنى لك دوام التألق والتقدم. د. محمود كيّال- جامعة تلّ ابيب (رسالة عبر البريد الإلكتروني، الأحد 15/3/2009) | مفتاح الكاديكي كتب التعليق ضيف في 2009-04-08 20:24:00 المتألقة الرائعة : مني دمتِ بكل ود علي وهج بوحكِ الجميل لكِ وافر التحايا. http://www.alkadiki.com/
| منى ظاهر كتب التعليق ضيف في 2009-04-08 20:27:54 الأستاذ مفتاح الكاديكي أشكر مرورك هنا ودمت بكلّ التّألّق إحترامي | كتب التعليق ضيف في 2009-05-12 17:48:17 انت شاعرة راقية اريد ان اتعلم منك لانمي موهبتي في الشعر | |