|
اسمها منى.. صفتها التواضع.. شعرها يحكي عنها.. تأخذك إلى عالمها عندما تحاورها.. شاعرة عرفها الشعر قبل أن تتعرف عليه.. تقدس شعرها ووطنها فألبسته أحرفها.. احتضنها أكثر من منبر ولكنها لازالت تبحث عن ذلك المنبر الذي تريد التنفس فيه.. إنها الشاعرة الفلسطينية منى ظاهر ابنة مدينة النّاصرة الجليليّة هي إحدى حفيدات الشّيخ القائد ظاهر العمر الزّيدانيّ.. التقيتها في هذا الحوار الخاص لديوان ووكالة انباء شعراء الاردن – عرار ديوان العرب حوار: موسى الشّيخاني وماهي قراءاتك وملاحظاتك على ما درج اليوم من الكتابات النسائيّة ؟ طبعًا هناك تحدّيات وصعوبات تواجه المرأة العربيّة عمومًا مقارنة مع الرّجل في ظلّ مجتمع أبويّ يرجّح كفّة الميزان للرّجل ويعطيه كلّ الإمتيازات في الحيّز العامّ والخاصّ، ويفرض على المرأة أن لا تراوح حيّزها الخاصّ.. فكيف بالحريّ إن كانت المرأة كاتبة أو شاعرة أو كلاهما معًا! لذا ليس من العجب أن نرى أنّه على مرّ العصور منذ بداية حمل المرأة للقلم رافقتها ممنوعات كثيرة أوّلها العادات والتّقاليد فنجد نساء كثيرات كتبن بأسماء مستعارة ونشرن إبداعاتهنّ بأسماء مستعارة، أو حتّى بأسماء رجال. ثمّ خرقت النّساء هذا الحاجز إلى حدّ كبير لتخرج المرأة معبّرة عن كينونتها كلّها، ومع ذلك بقيت هناك تحفّظات مجتمعيّة من مواضيع قد تتطرّق إليها المرأة الكاتبة خصوصًا، منها خلخلة تابو الجسد والتّعبير عن نفسها وعن حرّيّتها وعن حقّها على جسدها. والحديث عن مشاعرها وبالأخصّ مشاعر الحبّ والعشق والحميميّة الّتي هي أسمى مشاعر الذّات الإنسانيّة. وقد تصل هذه التّحفّظات إلى منع عامّ يمكن أن يصل إلى منع رسميّ يؤدّي إلى عدم نشر أو توزيع العمل الإبداعيّ. مع ذلك فإنّ المرأة برغم كلّ الصّعوبات نجحت في أن توصل إبداعها إلى العالم كلّه ولا يخفى علينا أسماء نساء لمعت نصوصهنّ عربيّا وأجنبيًّا. يجب التّنويه هنا أنّني أتحدّث عن الإبداع الحقيقيّ البعيد عن الإبتذال. علمًا بأنّ إبداع المرأة وإبداع الرّجل هو إبداع إنسانيّ. من ديوان ووكالة أنباء شعراء الأردن- نشر بتاريخ 14/3/2008
اسمها منى.. صفتها التواضع.. شعرها يحكي عنها.. تأخذك إلى عالمها عندما تحاورها.. شاعرة عرفها الشعر قبل أن تتعرف عليه.. تقدس شعرها ووطنها فألبسته أحرفها.. احتضنها أكثر من منبر ولكنها لازالت تبحث عن ذلك المنبر الذي تريد التنفس فيه.. إنها الشاعرة الفلسطينية منى ظاهر ابنة مدينة النّاصرة الجليليّة هي إحدى حفيدات الشّيخ القائد ظاهر العمر الزّيدانيّ.. التقيتها في هذا الحوار الخاص لديوان ووكالة انباء شعراء الاردن – عرار ديوان العرب حوار: موسى الشّيخاني 1) الشّاعرة والكاتبة الفلسطينيّة منى ظاهر اسم نسائيّ أثبت حضوره في السّاحة الأدبيّة العربيّة .. بدايتك مع الشّعر والأدب؟
ما يمكنني الحديث عنه هنا هو لحظة البرقِ الأولى في انطلاقِ النّصّ الشّعريّ عندي، وهذا يلخّص إلى حدٍّ ما تجربتي في كتابة الشّعر: هذا البرق الأوّل وتلكَ الومضَةُ الأولى الّتي تستلبكَ من زمانك ومكانكَ، كماها اجتذابك الفطريّ الوحشيّ لكائن يستوقفك.. يقتنصكَ في لحظةٍ ما، يترككَ بعدها لصَنعتِكَ في أن تحلّق معه في انفعاليّتك خيالاً وواقعًا لتنقش في داخل روحك، وتلتقي كلماتك بتواتريّةٍ بعدها على بياضِ الورقةِ في جسدِ قصيدةٍ أو نصّ شعريّ. نعم، تهبني القوّة الخفيّة الإشراقة الأولى.. الجملة الأولى أو الشّطر الأوّل من قصيدتي، أقولُ إنّه الوحي أو الشّيطانُ الشّعريّ.. إنّه اللاوعي القابع فيّ، المنتهز للحظةٍ يكون فيها بدئيًّا وغريزيًّا ليقذفَ من أعماقي نسجَ حروفٍ أترجِمُها بانفعاليّة وتواتريّة كلماتٍ على بياضٍ في ورقة.. قد يضيعُ منّي نسج الحروفِ هذا في لحظة منامَةٍ أو سهوةٍ، لذا فالورقة باتت شقيقتي وشقيقة وسادتي لأقتنصَ معها نداءً مستفحلاً آتيًا من قعرِ أبديّتي مُلتفًّا بشعريّةٍ باسقةٍ من روحي.. بعدها أبني فضائي المتناسلِ من تلكَ النّطفة الآتية من تلكَ اللحظةِ.. لتولدَ القصيدةُ كاملة من اختمار كلّ كينونتي: روحًا، جسدًا، فِكرًا، حِسًّا ونغمًا. تكتملُ القصيدة بتلاقٍ مع الوعيِ لغةً وموسيقى وصُوَرًا وتركيبًا، وتكون ذروة النّشوة عندي حين يكون جسدها كاملاً.. فتتنفّسُ روحي بهاءً وارتياحًا. * * * وهنا يخطرني سؤال عن معنى ان اكون شاعرًا/ة، كان قد طرح عليّ في حوار صحافيّ أدبيّ، وأذكر أننّي قلت وكتبت: أن تكون شاعرًا وشاعرةً يعني أن تتلمّس دربك في الطّرق الجبليّة الوعرة، القابعة في سحاب الأرض، دون مساومة. أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن تغوص في الأعماق البحريّة لتخلخل رمليّتها المهتاجة. أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن ترى حجر الجحيم في الحَفرِ في روحك.. أن تنكشف في ذاتك على ذاتك، أن تنطلق منها في لا وعيك إلى وعيك. أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن تخرج من الأنا الفرديّ لتكون في الذّات الإنسانيّة الّتي لا تنفصل عن كونها جزءًا من الطّبيعة.. فالشّاعر والشّاعرة الحقيقيّان هما جزء من البحر والوردة، من الهواء والشّجرة، هما جزء من كلّ الكينونة العامّة. أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن لا تنفصل عن واقع شعبك وهمومه، وعن آماله وأحلامه وأن تواصل الكشف بهدف المزيد من المعرفة وليس الإبتذال. أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن تكون طليعيّا، أن تكون تجريبيّا، أن تكون قادرًا على زلزلة داخلك أوّلا، أن تكون فراشةً ونسرًا وذئبًا.. وأن تعمل لأن تكون رئة الحرّيّة الإضافيّة خلال حركة الزّمن وسيرورته وصيرورته، لذا من المهمّ تطوير الأدوات والتّجربة الإنسانيّة. 2) أخبرينا عن دواوينك وأعمالك الأدبيّة؟ أنا شاعرة وكاتبة، أنشر إنتاجي الأدبيّ في العديد من الدّوريّات الثّقافيّة، وأشارك في ندوات ولقاءات ومؤتمرات أدبيّة وثقافيّة عربيّة وفلسطينيّة وأجنبيّة، صدر لي: 1) شهريار العصر، مجموعة شعريّة ( 1997، النّاصرة)، وهي تضمّ 30 قصيدة من قصائد النّثر، كتبت في المرحلة الدّراسيّة الثّانويّة وحتّى عام 1996. يقع الدّيوان في 103 صفحات من القطع المتوسّط. قصائد المجموعة عاطفيّة فيها تعبير جريء لامرأة شرقيّة. قدّم للدّيوان الشّاعر المرحوم ميشيل حدّاد. 2) ليلكيّات، مجموعة شعريّة ( 2001، النّاصرة)، تحتوي على ثلاثة أبواب : القصيدة العموديّة، قصيدة النّثر وقصيدة البطاقة. كتبت قصائد الدّيوان من أواخر 1996 إلى عام 1999. يقع الدّيوان في 80 صفحة من القطع المتوسّط. قدّم للدّيوان الدّكتور فاروق مواسي. وهو عبارة عن مجموعة من القصائد الوجدانيّة، تمتاز بالعاطفة الصّادقة والصّور المشرقة بالأمل وحالات التّغيير إلى الأفضل. 3) طعم التّفّاح، مجموعة شعريّة ( فبراير 2003، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، سلسلة كتابات جديدة، القاهرة- مصر)، المجموعة تحتوي على 38 قصيدة في مواضيع وقضايا مختلفة: عاطفيّة، وطنيّة ومجتمعيّة.. قصائد الدّيوان كتبت في أواخر كانون الأوّل/ ديسمبر 1999 وحتّى أواخر سبتمبر/أيلول 2001. "لمنى أسلوب متميّز في كتابتها للقصيدة. ومجموعتها تشهد بذلك. كتبت فيها قصيدة النّثر وقصيدة التّفعيلة". 4) حكايات جدّتي موفادّت، نصوص ( أغسطس 2003، دار العالم الثّالث، سلسلة الأدب الفلسطينيّ، القاهرة- مصر)، "هي تجربة أدبيّة متميّزة في مسيرة الكاتبة. حيث استطاعت من خلاله أن تقدّم وجهًا آخر من وجوه الإبداع لديها، تمثّل هذا الوجه في اختيار اللغة النّثريّة وأدوات القصّ والسّرد كأداة في توصيل تجربتها، وهذا لم يمنع من أن تستفيد من تجربتها الشّعريّة الغنيّة. هذا الكتاب عبارة عن نصوص هي حكايا خياليّة من التّراث التّركيّ سجّلتها ظاهر لجدّتها التّركيّة الأصل “مودّة“ الّتي ألهمتها لبلورة هذا العمل. جاء الكتاب في نحو مائة صفحة من القطع المتوسّط. وتتصدّره مقدّمة للكاتبة تشرح فيها فكرة الكتاب وإعداده وكتابته. ويذكر أنّ “دار العالم الثالث” مقرّها في القاهرة ومن نشاطاتها إصدار أعمال جديدة للكتّاب الفلسطينيّين". 5) أصابع، نصوص (فبراير 2006، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، بيروت-لبنان)، نصوص الكتاب نثريّة تشتبك فيها القصيدة. يطلّ الكتاب في حوالي 90 صفحة من القطع المتوسّط، وصمّم غلافه الشّاعر والفنّان التّشكيليّ “زهير أبو شايب”- عمّان. في أصابع، المكتوب في يونيو/ حزيران 2003 ولغاية فبراير/ شباط 2004،: ” .. أشرقت منى نصًّا مفتوحًا على الغياب لكنّه قد أُسّس لديها من الواقع بحيث استطاعت أن تزورنا بنصّ نثريّ مبلّلٍ بالشّعر يسطو على حواسّنا السّبع: فكانت لا تومئ إلاّ قليلاً .. إنُها صريحة لحدّ القول: “” منذ لقائنا الأوّل تتسرّب منّي إليه: ” ذاكرة البصر، ذاكرة العطر، ذاكرة اللّمس “””(عن تقديم الكتاب، ليونس عطاري- شاعر فلسطينيّ مقيم في المنفى). 6) وجديد كتابتي سيصدر خلال الأيّام القريبة. هو نصّ رافض للتّجنيس؛ فيه نبش في جسد اللغة منبثق من طين رمزيّ. فيه نقش أعمق في الرّوح- روحي، باشتغال جادّ على المعنى واللغة وفسيفساء وجودي ما بين الأسطورة والواقع. تجدر الإشارة إلى أنّه نصّ حانت ولادته بعد جهد 4 سنوات/ مخاض ثقيل وعميق (أيلول/سبتمبر 2003 حتّى أواخر تشرين الأوّل/أكتوبر 2007). بلا شكّ هو سيرة مضمون وشكل من ضوء ونار. كتابي بعنوان "خميلُ كسلِها الصّباحيّ"- خزفيّة نصّيّة لرفسةِ غزال، صادر عن دار أزمنة- عمّان. ويمكن متابعة نصوصي وأعمالي عبر موقعي الشّخصيّ على الشّبكة العنكبوتيّة: www.mona.ws 3) إلى أيّ مدى تشعر الشّاعرة بالاقتراب بين ما تكتب وما تشعر به؟ ما رأيك في مفهوم الأدب النّسويّ..؟؟ ماذا عن الأدب النّسائيّ الفلسطينيّ هل هو متقوقع في حيّز المحلّيّة أم نتائجه تبشّر بالخير و الإنطلاق؟ الكتابة بحدّ ذاتها مقاومة وكما تقول نوال السّعداويّ فإنّ "الكتابة هي بقاء الذّات.. هي مقاومة الموت". وعندي الكتابة هي تحليق الرّغبة.. هي مرحلة اللذّة في الهذيان، هي الكلامُ الجديدُ، الوطنُ الغرامُ. وهي وسيلة للثّورة أيضًا، إضافة لذلك فقد يكون للجينات دور في هذه المقاومة الّتي أجدها منبثقة من اختيار التّعبير عن دواخلنا. لماذا الكتابة؟ لأنّها الّتي توصل اللاواعي مع الواعي... هي سيمفونيّة الإنسان الوسيط الخارج من السّرب، الّذي يريد لنصّه أن يبقى مفتوحًا على قراءات متواصلة، هو النّصّ المحمّل والمشحون شعوريًّا ولا شعوريًّا بمجموع رؤى الشّاعر/الكاتب وتجاربه وثقافاته. وأقول: تُوضَعُ الحدودُ لِنتذوَّقَ طعْمَ اختِراقِها وتلتقِي أحداثُ الأزمِنَةِ في تحليقِ الفراشة. الكتابة هي كما السّرّ . أقصد أنّ تجربة الكتابة وبالأخصّ الشّعريّة هي تجربة طلسميّة.. كثيرون من يحاولون تفكيكها أو تحليلها ولا يفلحون، لأنّها معجونة بقوّة/قوى خارقة ألوهيّة إن صحّ التّعبير. لذا فإن هذه الكتابة/هذا السّرّ هو الجالب معه الضّوء الحقيقيّ. أنا حاليًّا أكتب دون الخوض في مسألة مسمّى النّصّ، علينا أن نبني أو بالأحرى أحاول أن أبني نمطًا جديدًا من الكتابة يخصّني ويميّزني مبنيّ على مقاس وعيي الجماليّ ككاتبة وقلقي الوجوديّ غير المنفصل عن جسد الكينونة العامّة وروحها وعلى خلخلة جميلة باشتغال لا تلغي الجماليّة الموجودة، فقد أكتب نصًّا لا يبدو شعرًا، لكنّ روحه شعر ويحمل ايقاعه وموسيقاه، هي مرحلة التّجريب، وأقتبس هنا مقولة محمود درويش: "إنّ شقاء التّجديد المتعثِّر أَفضل من سعادة التّقليد المتحجّر".. الكتابة عندي آتية ومنبعثة من عطر الرّوح ومن أرخبيل انفجارات أضواء وعتمات فيّ. عندما تكتب أنت تمارس الحياة وترقص جنونًا، أنت تخلق عوالم طبيعة ومرايا ملوّنة، أنت ترسم خطوط أجنحة الفراشة. وقد يكون هدف الكتابة أيضًا التّفريغ من أجل إعادة البلورة والخلق. أو أنّها الإلتفات للهامشي اليوميّ بأسلوب مغاير مستوقف لتحمله في غرائبيّة هذا الوجود. أظنّ بأنّ المكوّنات الّتي خلقتني شاعرة وكاتبة، هي مكوّنات تنتمي بانحياز حادّ للطّبيعة، لجينات بيولوجيّة وروحيّة لعوالم خاصّة فيّ، ولطبيعة فيها من الشّراسة والتّمرد اللاواعي لأكون خارج السّرب، أغرّد بأسلوبي. وأخطّ طريقًا فردانيًّا يميّزني عن غيري .. الكتابة هي تعبيري الجواّنيّ عن أعماقي وعن رؤيتي للعالم وعلاقتي مع الأشياء والآخر دون ابتذال بل بكلّ الشّفافيّة والتّحليق.. كتابتي هي ولع الليلك/ الشّعر خارج قوانين الكتابة التّقليديّة، هي كتابتي الخارجة من دفاتر الرّوح والوجدان. الكتابة عندي بداية منبعثة من الحفر والنّقش في ذاتي غير المنفصلة عن بيئتي وعالمي، بمعنى أنّ كتابتي ليست آتية من فراغ. لكن قد تكون العوالم الّتي أكتب منها/ خلالها مختلفة: حلميّة/ عشقيّة/ علائقيّة بين الواعي واللاواعي/ منبثقة من واقع تتجاوزه لتفكّكه وتعيد تشكيله من جديد. أنا أؤمن أنّ قوانين الكاتب/ة هي فقط قناعاته/ا نفسه/ا. وهذا الكاتب الحقيقيّ نفسه هو الإنسانيّ فينا. أنا أركّز هنا على الإبداع الرّافض للإبتذال، الرّافض للمساومة. وأنا أتحدّث عن الحقيقيّة في الرّوح، في العمل الجادّ على الذّات، في العمل الجادّ على النّصّ/ على مرآتك / نصّك الشّعريّ أو النّثريّ أو النّصّ غير القابل للتّصنيف، بمعنى أنّ نصّنا الحقيقيّ هو مولود وكائن يتحرّك من طينتنا نحن. والقارىء ليس غبيًّا، هو ذكيّ ويتواصل فقط مع الحقيقيّ. أنا أجد أنّ النّصّ جسد وروح وله أن يبثّ طاقته فيّ أنا القارىء . أمّا تلك النّصوص المبتذلة تموت، قد يكون لها بريقها الّذي يخفت. ولا ننكر أنّها كثيرة في عصر الإستسهال أو الإسهال في النّشر والثّقافة المشوّهة، لكنّني أتحدّث عن ماء الورد/ عن ندى الوردة وعن بريق ألوان أجنحة الفراشة والكائنات الليليّة. أنا أتحدّث هنا عن الشّاعر أو الكاتب الّذي يملك رؤية خاصّة للعالم، الّذي يؤسّس لعلاقات خاصّة بين لغته والأشياء والّذي يؤسّس لتقنيّة فنيّة وجماليّة خاصّة أو لغة شعريّة خاصّة. لنقل أنّني أعمل في البحث الجوانيّ في داخلي، أحاول دخول السّراديب؛ فتح المغلق منها رغم ألمها ووجعها، كيّ أصير أنا جزءًا من الوردة/ من الشّجرة/ من الطّير، أيّ من العامّ. عليّ أن أخرج بقوّة من الذّاتيّ، الخروج هنا ليس الرّحيل بل هو فهم الجوّانيّة الدّاخليّة في محاولة للعمل عليها لتطويرها، محاولة الوقوف لمواجهة أزماتها وصعوباتها!. كلّ الوقت أقول "محاولة" لأنّني حقًّا أحاول وأعمل بجدّ. وهذا هو مسار تجربة وجوديّة، نعم تنعكس في رؤيتي للعالم. وبهذا فإنّها تؤسّس في بناء لغويّ ينبني ويترعرع ويتكوّن. ومن هنا يمكن أن أقول أنّ أسلوبي اللغويّ أشتغل عليه بغريزتي أوّلاً، ثمّ يكون له نقش متزاوج من دمي وتجريبي. بمعنى أنّ لغتي هي كائن أيضًا متحرّك. أحاول أن أبني فيه لويغة - تصغير لغة - هي لي، لنصوصي بالأحرى. أنا اشتغل على مغامرة لغويّة بانزياحات، هي متأتّية أيضًا من وعي وجوديّ متطوّر لتجربتي الحياتيّة والمعرفيّة، لا شكّ في ذلك. ولا أنكر أو أنفي أنّ الكاتب كما الإنسان متأثّر وامتداد لمن سبقه.. لكنّه يبحث عن فضائه الشّخصيّ وسط الخضمّ الكبير من المبدعين والمبدعات في العالم العربيّ والغربيّ. والإطّلاع قراءة وتجربة على إبداع وثقافة الآخر مهمّ في هذه الرّحلة الإبداعيّة الطّويلة الممتعة والشّاقة. وفي ظلّ الظّروف الّتي تحاصر ثقافتنا خصوصًا، في الأراضي الفلسطينيّة عام 1948، وتسعى لتهميش لغتنا العربيّة ومحو تراثنا الفلسطيّنيّ بكلّ جوانبه، وتشويه ذاكرتنا الحيّة. أرى أنّه من الضّروريّ العمل على الإبداع بكلّ أشكاله من فنّ وموسيقى وأدب وشعر بصورة تُظهِر هويّتنا الفلسطينيّة ولغتنا العربيّة السّليمة وانتماءنا المتجذّر فيها. وفي خضمّ هذا الواقع المجتمعيّ الّذي أعيشه، ومع تزايد إعلان المجتمع الدّولي بتوفير الإمكانيّات المتساوية لكلّ الأفراد فيه، فإنه يترتّب على كلّ مجتمع تطوير القدرات الذّاتية لأفراده ومشاركتها مجتمعيّا وإنتاجيّا، ومن هنا أهمّية تغيير الأدوار بين النّساء والرّجال في المجتمع، أيّ تغيير التّقسيم الوظيفيّ بين الجنسين. لذا فإن المرأة الكاتبة الّتي تساهم بالكتابة في مواضيع معيشيّة حياتيّة ثقافيّة وأيضًا تعنى بالمرأة، هي تساهم في عكس واقع تعيشه، ومن ثمّ تسعى للتّأثير عليه. وعلى فكرة أنا لا أحبّذ هذا التّقسيم في الأدب، إلى أدب نسائيّ موقّع باسم امرأة وأدب رجاليّ موقّع باسم رجل. إنّ الأدب هو أدب إنسانيّ، هل سمعنا أحدًا يدعونا إلى لقاء لأدب رجاليّ؟ لماذا إذًا تتمّ دعوتنا إلى لقاء لأدب نسائيّ؟ أصلاً هذا التّقسيم من شأنه أن يعزّز سياسة التّمييز ضدّ النّساء. نعم هناك أدب نسويّ وهو الّذي يحمل فكرًا وينادي بتغيير الأدوار المجتمعيّة بين الرّجل والمرأة. وقد يكتبه رجل أو تكتبه امرأة. وكلّنا نحمل أكثر من وجهٍ فينا.. فمسارح الوجه الواحد كثيرة.. وباختلاف الوقت والزّمن والتّجربة الحياتيّة، فإنّك قد ترى وجهك مختلفاً في المرآة الّتي تعكس ملامحه. ويراه الآخرون وجها مغايرًا أو مشابهًًا في مرآتهم.. ونصّك الشّعريّ/ الإبداعيّ هو كما ملامح وجهك.. وللمرأة في مجتمعنا العربيّ الفلسطينيّ عمومًا أن تبحث عن نفسها وتحاول أن تخلّصها من كلّ القيود والمركّبات الحياتيّة المضطهِدة. وأيضًا وفي مجتمعنا الفلسطينيّ في أراضي ال 1948، من المهمّ للمرأة أن تبحث عن نفسها وتخلّصها مرّتين، وأنا كامرأة من هذا المجتمع وكفرد من النّساء- أعايش هذا البحث عن الذّات، من جرّاء تمييزين واضحين: أوّلا: لأننا عربيّات من أقليّة فلسطينيّة. وثانيا: لأنّنا نساء نعيش في مجتمع ذكوريّ، تطغى عليه منظومات مجتمعيّة بطريركيّة، فيها سلطة الرّجل هي الغالبة. ومن جهة أخرى هناك تحديات وصعوبات أخرى تواجه الشّاعرات الفلسطينيّات والشّعراء عمومًا/ الكتّاب كصعوبات في النّشر والتّكلفة المادّيّة وتسويق الكتب، بالإضافة إلى عدم دعم المؤسّسات المحلّيّة، ممّا يضطرّ الشّاعر/ة للسّفر إلى الدّول العربيّة لطبع كتبه ونشرها، وأيضّا من أجل خرق حاجز الجغرافيا والسّياسة. وكوننا أقليّة فلسطينيّة في أراضي ال1948، فإنّ هذا الأمر بحدّ ذاته يشكّل صعوبة على جميع الأصعدة، إن كان ذلك في الدّعم الأدبيّ أو الإقتصاديّ أو الإجتماعيّ... 4) ما رأيكِ في التّحليل الأدبيّ الّذي ينظر إلى النّصّ كونه قطعة جمالية، دون التّعرّض لما يحمله من رسالة أخلاقيّة أو دينيّة ؟ لو أنّنا نتواصل مع الشّعر حقًّا بأرواحنا من خلال استعمال معرفتنا ورؤيتنا، كنّا قد حقّقنا تواصلاً متبادلاً معه. كلّ واحد منّا يختلف عن الآخر بتعامله مع كلّ الكائنات والأشياء وفقًا لثقافته ورؤيته. هل الشّعر يستطيع أن يفهمنا؟ نعم هو يستطيع أن يفهمنا، إن كان منبثقّا منّا حقّا من تواصلنا مع ذواتنا، إن كان كما يجب أن نكون كإنسانيّين متحوّلين باستمرار/ نتخطّى أنفسنا وعالمنا.. أيّ أنّ هويّتنا مفتوحة نتكوّن فيها وتتكوّن فينا وكلانا نتكامل باستمرار. الإبداع لا يمكن أن يكون إبداعًا دون أن يكون موصولاً وطارحًا لقيم وقضايا مجتمعيّة نعيشها. هو أيضًا صوتنا ولكلّ واحد فينا هويّته، أيّ أسلوبه هنا في طرح هذه القضايا. المبدع الحقيقيّ غير منفصل عن قضايا وهموم وآمال شعبه لأنّه جزء من هذا الشّعب، لكن كلُّ له أسلوبه في طرح هذه القيم ومن هنا فإنّه ينزاح إلى الإبداع شعرًا ونثرًا أو أيّ جنس أدبيّ آخر. 5) ما هو النّقد بنظرك ؟ أوّلا ولأنّنا في عصر منفتح من خلال هذه الشّبكة العنكبوتيّة الإلكترونيّة فقد تلتقي حقًّا بأقلام جادّة نقديًّا، من شأنها أن تبني عمادًا لحركة نقديّة، لكن للأسف بما أنّنا أيضًا في حالة من الفوضى العارمة ليس فقط في مضمار الأدب والإبداع، بل أيضًا في ممرّات ومجالات الحياة المختلفة.. لذا فإنّنا نشهد أنّ نقد النّصّ بات أيضّا متوقّفًا ومنقادًا في أحيان كثيرة لعلاقات شخصيّة. كأنّنا لا نستطيع أن نفرّق بين شخصيّة النّصّ وشخصيّة الكاتب فإمّا أن نرفع نصّه لأنّه "صديق" أو أن يكون العكس . من المهمّ هنا أن أشدّد على الحقيقيّة/ على المواكبة النّقديّة لرؤى الكاتب؛ من المهمّ أن تعمد في أساسها إلى الموضوعيّة والحقيقيّة . للخلاصة حسب رأيي أنا أرى أنّ حركة النّقد، وأقصد الأقلام الجادّة الصّادقة، عليها أن تكون فاعلة أكثر. والسّؤال المطروح هنا هو: هل نستطيع حقًّا أن نتعامل مع النّصوص الّتي نقرأها بموضوعيّة؟ أنا أجد أنّ مهمّة الكاتب والشّاعر إن أردنا أن نحدّد، هي محاولة خلخلة تابوهات النّظريّات الأكاديميّة في النّقد. ما فائدة أن أكتب/ أخلق وأنا أستبقي أسس نظريّات جامدة ثابتة لا تتغيّر! هل أنا أكتب للنّقد/ للتّواطؤ معه؟ الجواب أكيد لا. يعني أنّ نصّي هدفه إثارة وتحريض أدوات النّقد للكتابة عنه، ووفق ما أراه فإنّ هناك أقلامًا تلامس التّجديد أو/ وأخرى تلامس العمل الجادّ في نصّ تكتبه، لكنّها قليلة. نحتاج ربّما حقّا للعمل على تقنيّات جديدة. هنا أتحدّث عن النّاقد - دور النّقد. يعني على النّقد أن يكون إبداعًا آخر. عليه أن يتخلّص من المسلّمات من أجل أن يؤسّس لقراءات مضيئة غنيّة ومغنية- كما يقول أدونيس في "موسيقى الحوت الأزرق". 6) ماذا عن تطوّر حركة الأدب الفلسطينيّ في مرحلته الرّاهنة ؟
لا أدري إن كنت حقّا أستطيع الإجابة عن هذا السّؤال. لكن ما أستطيع قوله في هذا الصّدد هو أنّ هناك الكثير من الأقلام والأصوات الّتي نتابعها عبر الموادّ الأدبيّة في الصّحف والمجلاّت المتخصّصة وغير المتخصّصة ولا أنسى صفحات الإنترنت- شبكة الاتّصالات المعلوماتيّة والنّدوات والمؤتمرات الأدبيّة.
النّصّ هو الباقي أبدًا والإبداع والتّجديد فيه، قلبًا وقالبًا/ صورة وشكلاً، لغةً ومضمونًا وفِكرًا، هو من يستطيع أن يقول القول الفصل. طبعًا لا أستطيع أن أنفي دور الإعلام في ترويج أديب ما أكثر من غيره. وكما نعلم فإنّ الإعلام بكافّة أشكاله قادر أن يلعب الدّورين المتأثّر والمؤثّر. وقد يغمرُ الإعلام أحدًا أو يلفت الأنظار لآخر. والنّصّ يبقى ليقرّر.. بعد بهتان الأضواء واختفائها. أنا شخصيًّا من متتبّعي كلّ جديد وقديم. وأنتقي قراءاتي بحسب ما يهمّني في تطوير فكري وثقافتي وأدواتي. 7) وماهي قراءاتك وملاحظاتك على ما درج اليوم من الكتابات النسائيّة ؟ طبعًا هناك تحدّيات وصعوبات تواجه المرأة العربيّة عمومًا مقارنة مع الرّجل في ظلّ مجتمع أبويّ يرجّح كفّة الميزان للرّجل ويعطيه كلّ الإمتيازات في الحيّز العامّ والخاصّ، ويفرض على المرأة أن لا تراوح حيّزها الخاصّ.. فكيف بالحريّ إن كانت المرأة كاتبة أو شاعرة أو كلاهما معًا! لذا ليس من العجب أن نرى أنّه على مرّ العصور منذ بداية حمل المرأة للقلم رافقتها ممنوعات كثيرة أوّلها العادات والتّقاليد فنجد نساء كثيرات كتبن بأسماء مستعارة ونشرن إبداعاتهنّ بأسماء مستعارة، أو حتّى بأسماء رجال. ثمّ خرقت النّساء هذا الحاجز إلى حدّ كبير لتخرج المرأة معبّرة عن كينونتها كلّها، ومع ذلك بقيت هناك تحفّظات مجتمعيّة من مواضيع قد تتطرّق إليها المرأة الكاتبة خصوصًا، منها خلخلة تابو الجسد والتّعبير عن نفسها وعن حرّيّتها وعن حقّها على جسدها. والحديث عن مشاعرها وبالأخصّ مشاعر الحبّ والعشق والحميميّة الّتي هي أسمى مشاعر الذّات الإنسانيّة. وقد تصل هذه التّحفّظات إلى منع عامّ يمكن أن يصل إلى منع رسميّ يؤدّي إلى عدم نشر أو توزيع العمل الإبداعيّ. مع ذلك فإنّ المرأة برغم كلّ الصّعوبات نجحت في أن توصل إبداعها إلى العالم كلّه ولا يخفى علينا أسماء نساء لمعت نصوصهنّ عربيّا وأجنبيًّا. يجب التّنويه هنا أنّني أتحدّث عن الإبداع الحقيقيّ البعيد عن الإبتذال. علمًا بأنّ إبداع المرأة وإبداع الرّجل هو إبداع إنسانيّ. 8) كيف ترين موقع عرار وتفاعله الادبي والثقافي في الوطن العربي ؟
نحن في زمن أضحى العالم فيه موصولاً بكلّ أجزائه ومتواصلاً في واقعٍ واقعٍ من خلال الشّبكة العنكبوتيّة- الإنترنت، في كلّ المجالات المختلفة. من المهمّ هنا التّشديد على موضوع الانتقائيّة، أيّ أنّه وفي خضمّ تهافت المواقع العديدة والكثيرة، من المهمّ أن يحافظ الكاتب والكاتبة، الشّاعر والشّاعرة على خاصيّة ينفرد بها، وأن ينتقي مواقعًا تلائم فكره ومبادءه لينشر فيها إبداعه. إنّ المواقع الكثيرة من شأنها أن تعرّف بنتاج الكاتب وإبداعاته، لكن من المهمّ التّعامل مع كلّ ما ينشر فيها بحذر ونقد، في ظلّ المتسلّقين، وسهولة النّشر والسّرقات الأدبيّة. بالطّبع هناك مواقع أدبيّة مهمّة تستقطب إبداعًا جادّا يتأتّى من موهبة ومصقولاً بثقافة ويخلو من الابتذال. نعم هذه المواقع الجادّة هي منبر ومحور تواصل النّصوص ومبدعيها معًا لمزيد من التّعريف بهويّتنا ولغتنا وفكرنا وأيضا للانكشاف على نصوص الآخر وثقافته وإبداعه. لذا فإنّ ديوان ووكالة أنباء شعراء الأردن "عرار" يلعب دورًا مهمّا في ترسيخ الثّقافة والتّعريف بالمبدعين والمبدعات وفي تجسير التّواصل بينهم وبينهنّ. 9) كلمة أخيرة .. للشّاعرة منى ظاهر.. بداية أشكر موقع "عرار" والقائمين والقائمات عليه وعلى اهتمامهم. وما أودّ أن أضيفه أنّ الأجمل سيكون ذاك الّذي لم اكتبه/نكتبه بعد. |