الجماليّة التّعبيريّة والرّونق التّصويريّ في شعر منى عادل ظاهر
د. منير توما- كفر ياسيف
لقد أهدتني الشّاعرة منى عادل ظاهر ابنة النّاصرة مشكورةً ثلاثيّتها الشّعريّة المتمثّلة في مجموعات: “شهريار العصر”، “ليلكيّات”، و”طعم التّفّاح”. ولشدّ ما أثار انتباهي في شعرها تلك الأناقة في التّعبير والشّفافيّة في التّفكير وقد أضفت جرأتها الرّومانسية رونَقًا على هذه الجماليّة الشّعريّة الفريدة. ويسعدني هنا أن أتناول بالبحث والتّعليق مجموعتيها “شهريار العصر” و”ليلكيّات” لما تتضمّنانه من بُعدٍ رومانسيّ آسر وإحساس عاطفيّ أخّاذ.
يبدو من موضوعات مجموعة “شهريار العصر” أنّ شاعرتنا مغرقة في الرّومانسيّة المثاليّة حيث أنّ الحبّ يشكّل أمامها تحدّيًا فكريًّا وفنّيًّا لا بدّ أن تواجهه. والحبّ عندها ليس مجرّد عاطفة بين الرّجل والمرأة وإنّما هو بؤرة تتلاقى فيها أشعّة الوجود الإنسانيّ. إنّ الشّاعرة تحبّ الحياة ليس لأنّها اعتادت أن تعيش بل لأنّها أرادت أن تحبّ، وأنّ السّماء في نظرها تصنع الحبّ لتستهلكه الأرض، وأنّ الرّجل يستعجل الظّفر بالمرأة، لأنّ اللّذّة غايته في حين تتلكّأ المرأة وتتباطأ لأنّ الاستقرار والهناء هدفها:
أهديتني باقة وردٍ حمراءَ
وجعلت إيقاع همساتكَ
تتأرجح بين خدّيَّ.
لثَمَ ثغري الورديُ خمر شفتيك
إنطفأ القمر
أنار جبينُكَ وجه الكون
وكشفَت عيناكّ عن سرِّ الرّبيع.
دثّرتني بالحرير الأحمر
وجعلت أهدابي تنام في بحيرتِكَ
إرتمت أمواجي على شاطئِكَ
تدفّقت ينابيعُ الفردوس
أزهرت عرائشُ الورود
وضحك العندليبُ
خلف أجنحةِ الفراشةِ الملوّنة © (صفحة 13)
هنا نلحظ مدى السّكينة والاطمئنان الّذي يمنحه الرّجل المحبّ لمحبوبته، فهو بمثابة بحيرة الحُبّ وشاطئ الأمان حيث تنعم في أجوائهما المرأة الحبيبة العاشقة. وهنا يكمن سرّ الجمال الفنّيّ الّذي يمتاز به غزل شاعرتنا: إبتكار في الصّورة، واندفاق في الكلام السّلس واللّطيف والأنيق، فلا تعقيد، ولا ثقل، ولا مداواة ولا كبوات في الذّوق ولا ابتذال في الغزل.
وفي قصيدة “خطاب إلى رجل” (صفحة 15)، نرى شاعرتنا واقعة تحت تأثير الحبيب الّذي يسكرها “بعطره الهمجيّ” وفي هذا إشارة إلى توق المرأة الخالد إلى الرّجل بكلّ ما يمثّله من عنفوان وقوّة وسؤدد تذوب فيه المرأة بأنوثتها ومشاعرها الدّفينة الكامنة:
لا أدري كيف أخاطبكَ!
وقد تقمّصت حروف أبجديّتي
واقتحمت أبواب حريّتي
سرقتَ لون عينيّ
وأبقيت السّهاد في جفوني
وها أنا أكتب عنك في دفتري
وما زال عطرك الهمجيّ يسكرني © (صفحة 15)
وتجسّد شاعرتنا الفكرة بأنّ الحبّ هو أكبر طاقة تتيح للبشر القدرة على التّحدّي، بل إنّ الحبّ في منظورها يضيء الرّوح برغبته في كلّ غاية جميلة على أمل أن يجد له صدى. فهي بفعل طاقة الحبّ تتجاوز القيود وتبغي الانطلاق والتّحرّر من الأغلال لا سيّما وأنّها تمتلك قدرة على التّمرّد على التّزمّت وضيق الأفق وخاصّة فيما يتّصل بنظرة المرأة إلى الرّجل والعلاقة فيما بينهما. وإيقاع الأبيات التّالية يذكّرنا بنشيد الإنشاد من العهد القديم للكتاب المقدّس حيث تبحث الحبيبة عن حبيبها بعبارات حميمة فيها رفض وتحدٍ للاّئمين والعاذلين:
ما زالوا يتهامسون ويعاتبون
يرفضون كياني
يتغاضون عن حزني
حبيبي، أين أنت منٍّي؟!
* * *
أزهاري تذبلْ
لكنّ بذور حريّتي تنبُت
قيودي تتحطّم
وهم يتهامسون.
(صفحة 17)
إنّ شاعرتنا تذوب في عالم الإحساس والانفعال بكلّ ما فيه من خير وحبّ وجمال وسّمو ممّا يعطي كلماتها مذاقًا جميلاً، فالمرأة مصهورة بالرّجل هي الحياة بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معنى، والحياة لا تستطيع أن تستمرّ بدون الشّرارة المقدّسة الّتي يولّدها الحبّ بين الرّجل والمرأة:
حبيبي
لم أعُد أطيق فتور حبِّك
لم أعُد أصبر على شرود أفكارك
في بحور الأحلام
رغم إنّي أعشق اللّوعة
وحرقة الاشتياق.
* * *
حبيبي
لا أحبّ فيك التّهرّب منّي
التّهرّب من مجابهتي
لماذا عليّ أن أكتشف ما بين سطورك؟
لماذا لا تفهم أنت ما بين سُطوري؟
(صفحة 21)
وتضيف الشّاعرة قائلةً في المعنى نفسه:
لا نقاش في حبِّكْ
فلا تسلني عن البشرْ
لا تسلني عنهم
فأنت وحدك كوكبي
أنت الضّوءُ
الّذي يضيءُ حياتي.
(صفحة 39)
والشّاعرة تريد أن تؤكّد هنا أنّ الحبّ هو أسمى عاطفة في الوجود، والمرأة تكرّس حياتها من أجل الحبّ الّذي لم يعد في نظرها مجرّد نزوة أو عاطفة أو انفعالات، بل هو فعل وكينونة:
أخاف أن تتركني وحدي
وأنا جعلتك الملجأ.
(صفحة 29)
والوجود في نظر شاعرتنا ليس سوى الحبّ نفسه، والحبّ هو الّذي يؤكّد أنّ الوجود بالنّسبة إلى كلّ من الرّجل والمرأة هو تبادل الوجود، كما أنّ الحبّ هو اختيار مستمرّ متجدّد، وهو يبرر وجود الإنسان ويخلع عليه معنى لما فيه من تحديد الصّلة بين حريّتين:
حبّك يقتلني
يفتّتني
ويجعلني ألتصق بك
أحبّكَ وأنت لا تدري
فهل ستدنو منّي يوماً؟
وتهمس في أذني.
* * *
كم تمنّيت البقاء
واللّجوء إليك
كم تمنّيتُ
أن تكون ملاذي
كم تمنّيتُ هذا منكَ
أن تكون حصني.
* * *
أخاف أن تتركني
وتمضي
فأشرد في واقعٍ
أخفيه عنكَ.
* * *
شُدّني لأقترب منكَ
فما زلتُ أسمعكَ
تهمسُ في أذني “أحبّكِ”.
* * *
هل لعيوننا أن تلتقي
ولو لِمرّةٍ
لتبصِرَ الشّعاع
ولأيدينا أن تتشابك؟
* * *
دعني أحلم بلقائنا
فأنا منكَ وإليكَ
وستأتي يومًا
لأنّك تعلم
بأنْ لا غنى لنا عن بعض © (صفحة 46-48)
وتصوّر شاعرتنا الحبّ كفترة هاربة من الزّمن، تكاد تكفّ فيها الحبيبة العاشقة عن الصّراع الوحشيّ من أجل المغانم والمكاسب المادّيّة من أجل الاستمتاع بالمشاعر النّقيّة والانفعالات العفويّة المخلصة. وهذا يذكّرنا بقول سيمون دي بوفوار”: إنّنا حين نحبّ الغير حبًّاً حقيقيًّا، فإنّنا نحبّه في غيريّته، وفي صميم تلك الحرّيّة الّتي بمقتضاها يندّ عنّا أو يفلت منّا. فالحبّ إذن عدول عن كلّ امتلاك، وكلّ امتزاج، وكأنّنا نتخلّى عن وجودنا كي يوجد ذلك الموجود الّذي لسنا نحن إيّاه”. والمرأة هي المرأة الحقيقيّة الّتي تعكس للرّجل ما هو عليه في قرارة وجوده. والمرأة هنا تحبّ الرّجل كما يحبّ نفسه تمامًا، هي وحدها الّتي تمنح حياته معنى يحقّق من خلاله وجوده، ويستطيع به أن يواجه الزّمن والأيّام:
هل لشفتيَّ أن تبتسما
لرؤياك؟
هل لقلبي أن يفرح
للقياك؟
هل لي أن أقول
أنّي أحبّك؟
أن أمنحَكَ قلبي
وعقلي وروحي.
(صفحة 49)
والمرأة في عيون شاعرتنا تودّ أن تكون جزءًا من كلّ حبيبها، تنغمر فيه وتتماهى مع أعضاء جسده وتذوب في عشقه وتنسجم مع جزئيّات ذاته:
كم كنت أودُّ
أن أكون دمعةً أتلوّن
في عينيكَ
ثم أكون على خديكَ
وبعدها أموتُ على شفتيكَ
أو أن أكون زهرةً
في يديك تشُمُها.
(صفحة 51)
وتعتبر الشّاعرة المَحبّة والعشق ظاهرة إنسانيّة لا تعدو حدود الأحوال البشريّة المشهودة من أهلها، من الخيرة عند مشاهدة جمال مخلوق، ومن تعلّق القلب بالمعشوق والألم عند هجره أو فراقهِ. وقد جسّمت شاعرتنا هذه الحيرة بقولها في عذوبة واضحة:
ومع جمْرِ الشّوق
تفتّحت عيناها
على خضرة عينيهِ
لينسابَ المعطف
ويلفّهما
يلامس جسديهما
وليقفلا معًا
ملفّ الذّكريات.
(صفحة 92)
وتتسلسل الأبيات من روح الشّاعرة ومن قلمها، عذبةً، رقيقةً، ليّنةً، ناعمةً، وتتلاحق الألفاظ والعبارات نغمة ساحرة، ونجوى بعيدة الصّدى، فالجمال يذوب بين يديّ شاعرتنا بصور خلاّبةٍ تفوح عطرًا وشذى:
أزهرت شقائق النّعمان
والأقحوان
أثمرت الأشجارْ
عند ينبوع المياه المتدفّق
تفاحًا وسفرجلْ.
* * *
إنطلقت الحياة مع الخضرة
إلى النّفس البشريّة المحِبّة
لتنشرَ أوائل ربيعها
بنسائم العطف والمحبّةِ
نسمةٌ من صفاءٍ
نقاءٍ وحنانٍ دافق.
* * *
إنتشرت في المكان
موسيقى الفرحة الجميلة
لتبشّرَ الكونَ
باحتفال ربيعّي
ينبوع حنان.
(صفحة 62-63)
ويبلغ صدى “شهريار العصر” صفحات المجموعة الثّانية “ليلكيّات” حيث نرى شاعرتنا قد بلغت درجة عالية من الرّقة الشاعريّة بحيث استطاعت أن تسكب سحرها في نفوس سامعيها وقارئيها، وأن تبعث فيهم النّشوة الجماليّة من خلال الرّومانسيّة النّفاذة، والشّطحات التّصويريّة الفريدة، بالإضافة إلى الموسيقى اللّفظيّة المتناغمة الّتي تتوزّع بانسياب بين جمال اللّفظ وجمال المعنى:
في مدى العينين أُبحِرْ
أبتغي قرْبَ الحبيبْ
لوعةًٌ في القلبِ تسري
جمر أشواقٍ تُصيب.
* * *
في فؤادي روضةٌٌ
تستقي نار اللّهيبْ
أرتوي من عطر قلبٍ
نار أشواقٍ يذيبْ © (صفحة 15)
وتظلّ خفقاتي
ترسُمُكَ
لوحةً زيتيّةْ
إختلطت ألوانُها.
* * *
ولأنّك
تفجّرُ هدأتي
بصَمتِكْ
تتناثرُ الألوانْ
وروحي
تضيعُ ضفيرةً
في بربريّتكْ.
* * *
وإيقاع الزُمنِ
يعزفني
مقطوعةً
همجيّةًً
حضاريّةْ © (صفحة 34-35)
وتريد شاعرتنا יن تقول إنّ كلمة الحبّ على كثرة ترديدها لا يبلي الزّمان حدّتها، ولا تنقص الأيّام جمالها، فهي همس الرّوح إلى الرّوح ومناجاة النّفس إلى النّفس، ولو جرّدت منها لأصبح عالمها فراغًا والحياة مملّة، فالحبّ لديها باقٍ إلى دهر الدّهور:
شمسي تجنح للغروبْ
وأنتَ
يا حُبُّ
وشمٌ على جدار زمني
(صفحة 40)
وتبلغ الشّاعرة الذّروة حينما تؤكّد أنّ الحبّ وإن كان حادثًا في حياة الرّجل، فإنّه تاريخ في حياة المرأة برمّتهِ:
حُبُّك يحيي خافقي
ليلهجَ حروف اسمكْ
أُبصرُ وجودي فيه
كلّما
تاقت التّرانيم لأوكارها © (صفحة 69)
إنّ روح الشّاعرة موزّعة بين سحر الجمال ونشوة الرّوح، فهي تعمد إلى الحبيب بجميع جوارحها وطاقاتها، وتضطرم طاقاتها الحسّيّة فتجهد نفسها لالتقاط المعاني وابتكار الصّور، وهي تتوجّه إلى الرّجل الحبيب توجّه الفنان ترسم الصّورة كما تشتهي وكما تتخيّل، وكما يملي عليها ظمأها إلى المفاتن، إلى الجمال الّذي تصبّه في كأس راحها، وتطفئ به لظى روحها:
عندما
يقبض الفَناءُ جسدي
بركانٌ ينطفي.
أدنو من نورٍ
ينامُ عطري في
وروده
وأظلّ أنتشي
خمرًا
من كؤوسهِ © (صفحة 52)
وهكذا نرى أنّ الشّاعرة منى ظاهر تتأمّل عالمها من خلال الحبّ، وليس المهمّ لديها أن تحبّ المرأة، وإنّما المهمّ أن تظلّ تحبّ، فالحبّ أعمى لا سيّما إذا سكر قلب المرأة من حبّ رجل تهيم بحبّه وتنصهر في كيانه.
وأخيرًاً وليس آخرًاً، فإنّه يمكن القول إنّ الشّاعرة منى ظاهر قد تألّقت في مجموعتيها اللّتين نحن بصددهما، فكان أسلوبها حلوًاً، جزل اللّفظ جيّد اختيار الكلام، كما أنّ لألفاظها ومعانيها رونقًا أخّاذًا تألفه النّفس بما فيها من موسيقى خارجيّة وداخليّة نابعة من رومانسيّة دافقة ذات انسكاب جماليّ وانسياب رقيق حافل بالصّور الجميلة والأصداء السّاحرة الباهرة.
فلشاعرتنا أجمل التّهاني وأصدق التّحيّات، راجين لها مزيدًا من الإبداع الشّعريّ مع أطيب التّمنّيات لها بالتّوفيق والخير والسّعادة.
[1] هذه الدّراسة نشرت في صحيفة الإتّحاد اليوميّة، عدد VOL.109/62، يوم الإثنين الموافق 26/9/2005. تتناول الدّراسة المجموعتين “شهريار العصر” (النّاصرة، 1997) و “ليلكيّات” (النّاصرة 2001).








August 24th, 2006 at 8:34 pm e
الاسم : خالد حجار
البلد : قلقيلية
عنوان التعليق : عفوا يا د.منير
التعليق
رقم 1 : لقد دهشت لقدراتك في الحديث عن الشاعرة فقرات مقالتك كلها لعدة مرات ولكن الذي يثير تساؤلي انك جديرا بان تكون ناقدا حقا وبكل ما في هذه الكلمة من معنى وتتجاهل الوزن العروضي للشعر لم لم تصارح القاريء بخصوص هذا الموضوع الهام بالنسبة للشعر فكيف يكون شعرا ولا وزن فيه ؟ نعم أرى العديد من الصور الشعرية وكذلك اللغة الفنية في هذا الشعر والمعاني الرقيقة التي تنم عن موهبة مبدعة ولكن الشعر هو ذلك الكلام الموزون فأين ستوصلوننا مستقبلا وكيف سنفرق بين الشعر والنثر ؟ ومتى سنعود الى الإتجاه الصحيح ونوجه بوصلتنا الى ما فيه خير أدبنا فنفصل ما بين الشعر والنثر بحيث يكون الشعر العربي هو فقط الذي يكتب على بحور الشعر التي استنبطها الخليل الفراهيدي وليكن غيره نثرا وليقسم النثر الى عدة اقسام منها النثر الفني أو التصويري الذي تسمونه الان شعرا عذرا إن لأنكرت شعركم هذا فلن أحابي أحد في دفاعي عن أدبنا العربي ليبقى النبع الصافي الذي لا تدخله الشوائب الغربية من أي جانب ، وقبل أن أنهي أود تذكيركم جميعا بأن الاداب الغربية لا يوجد بها علم العروض كالذي عندنا وشعرهم لا يقطع ويوزن كشعرنا لهذا هم يكتبون شعرا بوزن النثر مع الإستهداء ببعض الإيقاعات البسيطة والتي أراها في هذا الذي تسمونه شعرا
والتقليد للغرب في كل شيء هو من جرنا الى التبعية الثقافية التي ندركها جميعا ويجب المحافظة على أدبنا من الضياع والذوبان في القوالب الغربية هذا رأيي والاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية وشكرا ووفقتم
تاريخ التعليق : 2005/9/27
(عن موقع الجبهة الدّيموقراطيّة للسّلام والمساواة)