حكايات جدّتي[1]
للأديبة الشّاعرة منى ظاهر
بقلم: د. بطرس دلّة- كفر ياسيف.
مرّة أخرى نعود إلى إبداع الشّاعرة المُجيدة منى ظاهر ولكن هذه المرّة ليس مع الشّعر بل مع نوع آخر من الإبداع ألا وهو قصص وحكايا سمعتها من جدّتها وأرادت مشاركة قرّاء العربيّة معها، لأنّها في الأصل مأخوذة عن الفولكلور التّركيّ، فجدّتها تركيّة الأصل ما زالت تحتفظ حتّى اليوم بلغة تركيّة غنيّة بالتّعابير الأصيلة كما أنّها ما زالت تعتزّ بحفيدتها الّتي عملت على نقلِ أصول قصص من اللّغة التّركيّة إلى العربيّة محتفظة بأهمّية إدخال أسماء أبطال هذه القصص بالتّركيّة مع إدخال بعض الشّروح لمعاني أسماء هؤلاء الأبطال. ويبدو واضحًا أنّ اختيار الأسماء لم يكن وليد الصّدفة بل كانت تنوي المؤلّفة الّتي سجّلت القصص من التّراث التّركيّ الشّفويّ استعمال الدّلالات اللّغويّة لدفع أحداث القصص إلى جانب القِيم الإجتماعيّة الّتي تحملها هذه المعاني كالخير والشّرّ والبركة والقوّة، والشّرَف والنّبل وما إلى ذلك.
تقول الكاتبة في مقدّمة الكتاب:”إنّ الإنفتاح على حضارة أخرى يفيد بالتّأكيد في توسيع آفاقنا بحيث نأخذ عن حضارة الآخرين ما يثري حضارتنا إيجابًا” (ص 7-8).
وتؤكّد الكاتبة أنّ الحكايا الّتي تنقلها وتضيف عليها هي من نسج الخيال ممّا يرويه الآباء للأبناء في شتّى المناسبات وهي تُرْوى بهدف استخلاص العِبَر والحِكَم من كلّ قصّة ومن كلّ موقف بالإضافة إلى عنصر التّشويق والتّسلية الّذي نحصل عليه لدى سماع القصّة.
إنّ اختلاط العرب بالأتراك منذ الإحتلال العثمانيّ لبلادنا عام 1517 وحتّى الإنتداب البريطانيّ لمدّة أربعة قرون، أيّ حتّى عام 1918. هذا الإختلاط تركّ أثره في الحضارتين ممّا خلق تمازجًا بين الحضارة العبّاسيّة الّتي كانت مزدهرة في العصور الوسطى والحضارة التّركيّة الّتي نقلت عن حضارتنا أمورًا كثيرة ولذلك فإنّ هذا النّوع من الأدب ليس غريبًا على إنساننا العربيّ خاصّة إذا كانت القصّة كلاسيكيّة أيّ تصلح قراءتها أو سماعها في كلّ زمان ومكان.
تنقل المؤلّفة فحوى القصص عن جدّتها “موفادّت” (أيّ مودّة) الّتي كانت قد سمعت هذه القصص وغيرها عن خالتها “نوريّة”(أيّ نور) الّتي كان لديها أسلوب شيّق وممتع في سرد هذه الحكايات الّتي كان ينصت لها الصّغار والكبار لأنّ القصّة كانت وسيلة تسلية في المجتمعات القديمة حين لم تكن هناك وسائل تسلية أخرى كالمتوفّرة لدينا في هذه الأيّام. فلم تكن هناك دور سينما ولا مسارح ولا تلفزيونات ولا صحافة ولا أجهزة راديو أو مسجّلات أو غيرها. فالقصّة إذن تلعب دورًا مركزيًّا في الحياة الإجتماعيّة، يتناقلها الآباء عن الأجداد والأمّهات عن الجدّات. وهي ليست من تأليف كاتب معيّن وإنّما يبتدعها أحدهم وتنتقل من جيل إلى جيل، هذا يضيف عليها وذاك يغيّر في أسماء أبطالها وقد يخترع للقصّة الدّراميّة نهاية سعيدة أو بالعكس حسب مقتضيات الحال. فيصلنا ما يصلنا منها صحيحًا أو مشوّهًا إلى أن تُوَثَّق في الكتب فتُحفَظ بنصِّها هذا الموثَّق!
أسلوب السّرد:
قبل الدّخول في تقييم النّاحية الفنّيّة في هذه الحكايا يجب أن نذكر أوّلاً أنّ هذه الحكايا وضعت لتناسب جيل الشّباب من سنّ عشر سنوات إلى عشرين سنة وذلك لما فيها من شطحات خياليّة بعيدة عن المنطق ومن قصص الجنّ والسّحر الّتي يمارسها الأبطال خاصّة قصّة “صمت الكلب الأسود”! ولكن لا بأس من قراءتها من الكبار لأنّها تؤثث معلوماتهم بمواد يستطيع كلّ أب أو أم أو جدّ أو جدّة الإستفادة منها وروايتها للأبناء والأحفاد.
ونحن ما زلنا نذكر أجدادنا وجدّاتنا وهم يتحفوننا بقصصهم الخياليّة الّتي تجعل خيال الصّغار يسرح في عالم الخيال وعالم الواقع وتظلّ القصّة عالقة في الذهن تردّدها الأجيال وينفعل الصّغار وهم يسمعونها فتربّي فيهم ملكة الإنصات إلى جانب الحكم والأفكار والقِيم الّتي تعالجها الحكاية.
من الجدير ذكره أنّ رواية الحكاية في الموروث التّركيّ كانت تصاحبها طقوس خاصّة. فكانت إحدى السّيّدات تدعو صديقاتها لتناول قهوة الصّباح بعد أن تنهي كلّ منهنّ أعمالها الصّباحيّة، وتتفرّغ لتناول فنجان القهوة الصّباحيّة وتحضر صديقاتها بكامل زينتهنّ يتبادلن أطراف الحديث في شتّى المواضيع الحياتيّة. فإذا كانت لإحداهنّ هواية مثلاً كالغناء أو التّمثيلِ أو التّقليد أو الرّقص فسرعان ما تطلب منها الصّديقات أن تتحفهنّ بشيء من إبداعها. وكانت الحكاية إحدى هذه الهوايات الّتي كانت تقرّب القلوب وتكسب السّامع ملكة الإصغاء واستخلاص العِبَر والتّسلية في آن واحد.
كانت بعض القصص تستغرق لقاءين أو أكثر قبل انتهائها وتقوم الرّاوية أو القاصّة بإدخال الكثير من عناصر التّشويق والمتعة بإدخال بعض النّكاتِ، أو إدخال البطل أو غريمه في مواقف حرجة، يتوقّفون بعدها لمتابعة القصّة في اليوم التّالي. ويظلّ الحضور متلهّفًا لسماع بقيّة القصّة فيتسابقون في مَن تنهي عملها الصّباحيّ باكرًا أو تحضر لدى إحدى صديقاتها طلبًا لاستمرار القصّة وإطلاق سراح البطل إذا انتهت الرّاوية بزجّه في السّجن مثلاً أو إصابته بإصابة بليغة يرجوه الجمهور بعدها بشفائه من إصابته أو بتحريره من السّجن وتحرير جميع أعوانه إذا ما اعتُقِلوا.
والآن إلى فنّ الحكاية:
لا تحكي هذه الحكايات دائمًا شيئًا من الواقع يجب توثيقه لأنّه عندئذ سيتحوّل من مادّة قصصيّة إلى مادّة تاريخيّة. في كلّ قصّة من القصص نجد لغة الكاتبة سهلة منسابة مع بعض الوقفات لشرح ظاهرة أو مقولة معيّنة أو مصطلح باللّغة التّركيّة أو استشهادًا ببعض الإقتباسات من الأقوال والحِكَمِ القديمة تُدْخِلُها الكاتبة بعفويّة ظاهرة. وقد اهتمّت بإدخال المشوِّقات كالأغاني والأشعار، هذا إلى جانبِ الميلِ أو التّماثلِ مع البطلِ أو إنهاء دوره قبل الأوان بأوان.
تدور أحداث جميع القصص في تركيّا أو في الإسكندرونة أو جاراتها. ومع ذلك فلا نجد فيها أيّ تعصّبٍ لا لتركيّا ولا للحضارات الأخرى بل تدخل الكاتبة في كافة المواقف الحَرِجة بإضافة منطق سليم في حلّ العقدة من كلّ قصّة والإهتمام بتسلسل الزّمن بالشّكل السّليم اللّهمَّ إلاّ حكاية واحدة شذت عن هذه القاعدة عندما جعلت الكاتبة فترة الحمل لدى المرأة التّركيّة مدّة ثلاث سنوات وهي تنتظر المولود الجديد. فهل يُعْقَل أن تزيد فترة الحمل عن تسعة شهور هكذا وبشكل اعتباطيّ؟!
في حديث مع المؤلّفة ادّعت أنّ فترة الحَمْل هذه قد تكون لأنثى الجنّ الّتي تتحدّث عنها في الحكاية ومّن يدري ما هو عدد شهور الحَمْلِ لدى إناث الجِنِّ؟!
كانت المؤلّفة حسب “روايتها” تسجّل ما تسمعه مع أترابها مباشرة ولكنّها كانت تدخل في تفاصيل كثيرة كان يمكن الإستغناء عنها – إلاّ أنّها كما ذكرت ذلك في المقدّمة- كانت تتدخّل فتعيق سير الأحداث وتكتفي بِسَرْدٍ بسيط مع بعض الإضافات والملاحظات وتتدخّل أحيانًا في سَرْدِ الأحداث كما لو كانت تريد الدّخول في قصّة أخرى أو قُل حالةٍ أخرى.
إنّ الإهتمامَ بهذه الحكايات وتوثيقها هو خدمة جليلة للفكر الإنسانيّ وللفولكلور المتداول والّذي ما لم يُبادِر أحدهم لتوثيقه فقد تضيع هذه الحكايات ما لم نوثقها، ونحن نعتقد أنّ الكثير من الحكايات الّتي كان يرويها الحكواتيّ قديمًا قد ضاع لعدم وجود مَن يهتمّ بتوثيقها وتسجيلها وهي في الواقع جزء من فولكلورنا الشّعبيّ وموروثنا الّذي يجب أن نوجّه له اهتمامًا خاصًّا لما فيه من فوائد تعود على صغارنا وعلى أهالينا بالنّفع العميم.
لقد كرّست الكاتبة جهدًا خاصًّا كي تبدو كلّ حكاية في قالب مشابه للحكاية الأخرى كأن تبدأ مثلاً بقولها:
“حدّثتني جدّتي “موفادّت”، قالت: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، عن جدّتي خالة أبي “نوريّة” رحمها اللّه قالت: ” أنّه كان يا ما كان في قديم الزّمان، وسالف العصر والأوان في زمن الحاكم التّركيّ…” هذه البداية تتكرّر حرفيًّا في جميع الحكايات.
أمّا نهاية الحكاية فهي تقليديّة أيضًا كما عهدناها في القصص الّتي كنّا نستمع إليها صغارًا أو نرويها لأبنائنا الصّغار بهذا النّصّ: “وحكايتي حكيتها، وبعبّك حطّيتها”! أو “توتة توتة خلصت الحدّوتة”!
نشدّ على يد الكاتبة المبدعة الأخت منى عادل ظاهر ونرجو لها دوام الإبداع وإثراء مكتبتنا العربيّة بمثل هذه الحكايات.
فشكرًا لكِ يا أخت منى ظاهر وإلى اللّقاء في إبداعٍ جديد. فحتّى ذلك الحين لكِ الحياة!
--------------------------------------------------------------------------------
[1] حكايات جدّتي موفادّت، صدر عن دار العالم الثّالث- سلسلة الأدب الفلسطينيّ، القاهرة 2003. هذه الدّراسة نشرت في صحيفة الأخبار الأسبوعيّة في يوم الجمعة الموافق 9 سبتمبر- أيلول 2005.
2 Responses to “حكايات جدّتي “موفادّت””
المدير Says:
November 1st, 2005 at 9:35 pm e
السؤال المطروح على الأخت منى هو كيف بمكننا الحصول على كتبها؟
منى ظاهر Says:
November 1st, 2005 at 10:07 pm e
أسهل وسيلة للحصول على كتبي هي: المكتبات العامّة.







