للشّاعرة منى عادل ظاهر- النّاصرة
بقلم: د. بطرس دلّة، كفر ياسيف
لم تكن لي معرفة سابقة بها. كانت كلماتها في تقديم المتكلّمين منذ بضعة شهور في تكريم الشّاعر النّصراويّ جودت عيد، تنساب رقيقة كما بوح العطر وشهقة الياسمين. كلمات حالمة بصوت عذب كما لو كانت تعزف على أوتار قيثارة سماويّة بأنامل أحد آلهة الأولمب، فكانت محطّ أنظار جميع من حضر في المركز الثّقافيّ البلديّ في النّاصرة قبل إحراقه! منذ ذلك الحين ولم يتحقّق الوعد بإرسال باكورة إنتاجها الشّعريّ إلى هذه الأيّام حيث فوجئت بالبريد يحمل إليّ ثلاثة من دواوينها وهي: الأوّل: “شهريار العصر” قصائد 1997إصدار المعهد العالي للفنون وبيت الكاتب- النّاصرة. أمّا الثّاني فهو ديوان “ليلكيّات” قصائد صادرة عام 2001 من مطبعة فينوس. والثّالث والّذي سنتحدّث عنه في هذه العجالة، هو ديوان “طعمُ التّفّاح” صدر عن الهيئة المصريّة العامّة للكتاب عام 2003.
لفت نظرنا بشكل خاصّ الإهداء، حيث تكتب شاعرتنا ما يلي:
“إلى شعاع النّور حينَ يتوهّج طيوفًا 
من غرائبيّة الإنسانِ تارةً،
ولسرمديّة الكونِ تارةً أخرى”
في هذا الإهداء الكثير من التّواضع لأنّ معظم الكتّاب والشّعراء والمبدعين يهدون إنتاجهم لأحد أفراد العائلة أو أحد الأصدقاء، وشاعرتنا تهدي كتابها إلى شعلة النّور المتوهّج وتعني به المعرفة الحقّة! فقديمًا لخّص فيلسوف الإغريق الكبير سقراط، لخّص فلسفته بالقول الآتي:”أيّها الإنسان اعرِفْ نفسَك”! وبما أنّ الكون هو من صنع الخالق، أمّا الإنسان فابن الغناء لذلك فإنّ الكون سرمديّ وشاعرتنا تأمل أن تظلّ قصائدها كسرمديّة الكون!
منى الشّاعرة المتوهّجة حُبًّا:
من يقرأ ديوان “طعم التّفّاح” يحصل لديه انطباع سريع هو أنّ شاعرتنا إنسانة محِبّةٌ شأنها شأن كلّ الصّبايا اللّواتي يبحثن عن فتى الأحلام الّذي سيأتي كالأمير الأبيض ممتطيًا جواده الأبيض، ينحني فيقبّل يدها ويدعوها للرّقص فتتوطّد عرى المحبّة وينفذ سهم كيوبيد- سهم الحُبّ إلى قلبيهما فيرتبط القلبان في الرّباط المقدّس ألا وهو رباط الزّواج، حين يصبح الحرام حلالاً ولا تبقى تفّاحة آدم يتيمة على شجرة المعرفة. وإذا قلنا أنّ شاعرتنا اختارت اسم “طعم التّفّاح” لديوانها هذا، فذلك لأنّها تعي أنّ شجرة المعرفة الّتي قطفت منها حوّاء ثمرة ثمّ أعطت آدم فأكل، إنّما هي رمزٌ للمحبّة وللعلاقة الجنسيّة بين آدم وحوّاء. وما زالت تلك التّفّاحة رمزًا للشّهوة الجنسيّة وللشّبق الّذي ينتاب كلّ إنسان في شوقه وتلهُّفِه للوصال مع الجنس الآخَر.
في قصيدتها “فيضٌ مُسْكِرٌ” تصرّح أنّها إنّما تبحث عن فتى أحلامها ولكنّها لا تصل إليه أو لِنَقُل هو لا يصلُ إليها، ونحن نعرف أنّ كلّ محبّ إنّما يطلب الوصال من حبيبه. من هنا فإنّ آهاتها تمزّق جوارحها وتَصْرَعُها فيزيدُ لهيب الشّوق في صدرها، حيث القلب الّذي هو مصدر حرارة جسم الإنسان. وهو الجمرة الّتي نحتفظ فيها بجمراتنا، فإذا ما هبّت نسائم الحُبّ على هذه الجمرات تورّدت وأزهرت، أيّ زهت بلون الورد. ولمّا لم يأتِ فتى الأحلام فإنّ الألم الّذي هو يَحِزّ في النّفس يجعلها تتمسَّكُ بالوردة الجوريّة الّتي أهداها إيّاها فتى الأحلام لتخزِنَها وتحتفظ بها ما بينَ السّطور والكلماتِ الجميلةِ في كتابها.
لنقرأ بعضًا ممّا كتبت (في صفحة 17-18) تحت عنوان “خِدْرُ الألحان”:
وتريّاتٌ ترتحِلُ/ وجيتارٌ يسرقُني/ يخطفُ اللّيلَ/ مِنّي،/ تُلاطِفُهُ وريقاتٌ/ تراقِصُهُ/ تشحَذُ الدّماءَ/ مِنهُ،/ فيشتعِلُ الوردُ/ وتغفو الشّحاريرُ/ على حبِّ الرّمّانْ”.
وتتابِع لهفتها عندما تتخيّل حضورَ الحبيبِ في قصيدتها “وهمٌ معطَّرٌ” (صفحة 23) حيث تخيّل النّور الّذي يضيء اللّقّاء مع الحبيب فتثور الشّهوة ويزدادُ الشّبق في توحّد الحبيبين في عناق جميل. وبما أنّ شاعرتنا ليست لها تجارب حياتيّة، لذلك فإنّ أكمامَ الوردِ تخجلُ مِن إمكانيّة حدوث هذا التّوحّد خارج إطارِ المسموح به، لذلك فإنّ الجرح سيبقى نزيفًا في القلب إلى أن يندملَ مع الزّمن. فمتى يندمل؟! إنّه لا يندمل حتّى يأتي الحبيب، ينقط العسل من شفتيه عندما يغازل نجمها وتهبطُ شفتاه تقبّلان مرمرَ صدرِها فَيُطْفَأُ غليلُ الشّوقِ وتندمِلُ الجراح!
“عسَلٌ مِنكَ/ يتقطّرُ/ يُغازلُ نجمِيَ،/ ومبْسَمٌ/ يُقَبِّلُ ال-/ مرمرْ!” (صفحة 26).
ومع كلّ الحُبّ واللّهفة والشّوق فإنّ الحياء والضّغوط الإجتماعيّة وسيطرة المجتمع الذّكوريّ في وسطنا العربيّ يجعلها أيّ شاعرتنا تكتفي بهذا البوحِ في القُبلة وهو أقصى ما يمكن التّلميح له!
لذلك قُلنا إنّها تتوهّجُ حُبًّا وكفى.
وفي قصيدتها “عيونٌ مِنْ نار” تصف همسَ الوريد الّذي هو ضربات القلب الرّتيبة تمامًا كما تعزف أوتار الجيتارة فينتشي الماء الأحمر- الّذي هو الدّم، فيتمزّق القلبُ ليصبح أشلاءً، ولا يبقى من القلب سوى هذه الأشلاء، ومع ذلك تظلُّ أشلاءُ القلبِ مفتونةً به أيّ الحبيب. تقول (في صفحة 27-28):
” إنزعْني مِن همْسِ الوريدِ
إنزَعْ.
إجمعِ الأوتارَ،
اسقِها مائيَ
ال
أحمرْ
* * *
تغنَّج!
تغنَّج بِصَمْتِ
ال
ملاكِ،
بلُؤلُؤٍ أصفرْ.
* * *
إزرعِ الأشلاءَ
تعرّجاتٍ
فيكَ
تفْتَتِنُ”
الإبهام والغموض في الشّعر المُحْدَث:
في هذا الدّيوان تخرج الشّاعرة منى ظاهر عن طريقتها السّابقة في ديوانيها السّابقين حيث تكتب على طريقة الشّعر الكلاسيكيّ العموديّ، أمّا في هذا الدّيوان فلم تكتب أيّة قصيدة عموديّة. وقد حقّقت هنا قفزة نوعيّة وثورة على المألوف حيث انتقلت إلى كتابة الشّعر المُحدَث الّذي يضجّ فيه الغموض والإبهام بحيث تكون الكلمات مكثّفة تحملُ أكثر من معنى في سياق الكلام. وهي بذلك إنّما تعتمد على عبقريّة القارئ، تحلّق في سماء الكلمة فلا تنظر خلفها وإنّما تَطلُّعُها إلى الأمام دائمًا وإلى الأعلى والأسمى وليسبح القارئ الذّكيُّ خلفها في بحور الكلمات الّتي حمّلتها الكثير من المعاني الّتي تفوق مدلولها الحرفيّ. وهذه هي الثّورة في الشّعر. وتلجأ مع ذلك إلى بعض الكلمات الّتي تعني العنف، تُردّدها في أكثر من قصيدة ككلمة “همجيّ” مثلاً أو “يلتوي غُصْنُها” أو “تصرعينَ القلوبَ” أو ” تقُضّ مضجعي” أو “مزّقي صخري” أو “زوبعة العشق” وغيرها. وهي إنّما تعبّر بذلك عن مكنونات صدرها حيث نرى أنّ الحُبّ قوّة والعِناق قوّة والوِصال قوّة وعنفٌ. هذا العنف كما ذكرنا يتردّد في عدّة قصائد من هذا الدّيوان.
التّعلّق بالنّاصرة:
قسم كبير من قصائد هذا الدّيوان “طعم التّفّاح” كُتِبَ أثناء وجود الشّاعرة في باريس بفرنسا. ولكنّها لا تنسى أنّها نصراويّة قلبًا وقالبًا وأنّ مدينة النّاصرة، عاصمة العرب، تعزّ عليها، فتخصّها بقصيدة تُبيّن مدى حُبّها وتعلّقها بهذه المدينة الصّامدة.
في قصيدتها “غصنُ زيتون” تكتب في (صفحة 57):
” ناصرتي
لأنكِ قَبَسٌ مِن نور،
وَرَقُ الغارِ،
زوبعَةُ عِشْقٍ
جليليّة:
تظلّينَ شامِخَةً
تُقاومينَ
الشّبَق،
وعبَقُ الزّعترِ
يُداعب خصلاتِ شَعْرِكْ.
* * *
يا جَلدَ الصّخرِ،
مفتونٌ أنا
بتاريخِكِ:
رحلةٌ سندباديّةٌ
مسطّرةٌ
بال
ياسمينْ
والحمائمُ البيضُ
تحُطُّ
على
قرميدِ البيوتْ.
أبَدًا،
تكبيرُ المساجِدِ
فيكِ
يشعلُ
سماواتٍ سبْعًا،
وكنائسُكِ
محْفَلُ التّبشير.
* * *
عربيّةٌ أنتِ
زَغْرِد يا إباء:
كرامةً،
أصالَةً
صمودًا وعِزّة.
ربابةُ الفلاّحِ
تدْحَرُ فئرانَ ال
أسقفِ الرّماديّة.
وحجَرُ النّارِ
يتوهّجُ
يخطِفُ قلوبًا
متلوّنة.
* * *
لا تبكي مدينتي،
لا تبكي،
فأعراسُ شهدائكِ
رايةٌ
مِن نورْ
تزرعُ الفُلَّ
في
ملفِّ الدّم”
رائع هذا الحُبّ أو قُلْ هذا العشق لمدينة النّاصرة وجميلة هذه الصّفات الّتي أغدقَتها عليها وأجمل من كلّ ذلك هدهدتها بقولها: لا تبكي فجنازة الشّهيد هي عرس الدّم الّذي يُنْبِتُ الفلّ من ملفّ الدّم!
ألفُ ليلة وليلة:
في الدّيوان مجموعة صور من كتاب ألف ليلة وليلة، يظهر فيها شهريار الملك وشهرزاد الرّاوية. وعلى الغلاف تفّاحتان الكبرى حمراءُ وبداخلها تجلس شخصيّات من ألف ليلة وليلة، والثّانية صفراء. الأمر الّذي يوحي لنا بما كانت تقُصّه شهرزاد لشهريار الملك في الكتاب المذكور.
ولذلك يستنتج القارئ من هذه اللّوحة، أنّ شاعرتنا الأخت منى ظاهر إنّما تريد بذلك التّلميح إلى ما سوف تكتبه في صفحات هذا الدّيوان سوف يكون على غرار ما جاء في كتاب ألف ليلة وليلة ولذلك فقد أثبتت بعض الصّور بين القصائد.
والحقيقة الّتي لا شكّ فيها، هي أنّ معظم قصائد هذا الدّيوان هي قصائد غزليّة أساسًا اللّهمّ إلاّ من بعضها الّتي تحمل بين سطورها شيئًا من ال “أنا أومن” لشاعرتنا، تحاول فيها إشراكنا بما تؤمن به من فلسفة الحياة. هكذا في قصيدتها “تأمّلات” (صفحة 29) عندما تقف أمام لوحة فتاة ترتدي ملابس بألوان خريفيّة تمشّط الأرض المليئة بأوراق الخريف والأشجار من حولها عارية، رسمها الفنّان الأمريكيّ لوويل هاريسون. كذلك قصيدتها “هذيانُ فنّانٍ باريسيّ” (صفحة 41)، هي من وحي حياة الفنّان الرّسّام الفرنسيّ “بويبلو”. وقصيدتها “ملاحظة” (صفحة 61) الّتي تقلّب فيها أوراق النّفس كما تدور فأرةٌ تديرُ شريط الأحداث الأخيرة فتثير في نفسها ذكريات وأحاسيس متضاربة إزاء ما يحدث من حولها.
طعمٌ جديدٌ:
قسّمت الشّاعرة ديوانها إلى بابين: الأوّل باب “المذاق الأوّل” والباب الثّاني “طعم جديد”! في الباب الأوّل جمعت ثلاثين قصيدة أمّا في الباب الثّاني فقد جمعت ثماني قصائد فقط.
في القسم الثّاني من هذا الدّيوان تُكثِر الشّاعرة من التّأمّل في شؤون الحياة كما في قصيدتها “وطني: راحَتي ونشوتي قبلَ وبعدَ المعركة” (صفحة 87). أو في قصيدتها الثّانية “مرثِيَّةٌ تتملمَلُ” (صفحة 91). لنقرأ ما كتبت هناك:
” كأنّا خُلِقنا لِنحيا سُعَداءَ!
* * *
: كأنّي أعودُ في تمّوزَ، سنجابًا
أنقادُ خَلْفَ قُبَّرةٍ:
في إغواءَةٍ تتلهّى
أهْجُرُ أشخاصي
والفُستُقْ.”
ثمّ ينتابها اليأسُ لأنّه كان لديها حلمٌ ورديٌ، إلاّ أنّ هذا الحلم لم يتحقّق فتتوصّل إلى أنّ مآبها يجب أن يكون إلى حفرة اللّحد!. هذه السّوداويّة تصل إليها بعد ساعة يأس. والواقع أنّ كلّ شاعر قد تداهمه حالات يأس ولكنّها لا تدوم!
في قصيدة “لنا اللّه” تتذكّر أنّها تنتمي إلى شعب اللاّجئين الفلسطينيّين، وانّ الغاصبين هم ظلال الظّلال فقط، لأنّه بعد الدّجى سينبلج الفجرُ وستعود فلسطين إلى أصحابها لأنّها الحلم الّذي لا يموت ولن يموت فينا. لنقرأ من صفحة (103-104):
” الأرضُ لنا مِن جَذْرِ الجذرِ
كَنعانُ لنا..
“فلسطينُ”،
أبَدًا:
ما أنتم إلاّ ظِلالُ الظّلِّ
عندَ الدُّجى،
سينبَلِجُ الفجْرُ
وستعودينَ إلينا، يا حُلمُ
لن يموتَ الوطنُ فينا،
يا “قُدسُ”
في نهاية الدّيوان تنتقلُ شاعرتنا إلى قصيدة من نوع آخَر هو الحوار بينها وبين مَن تُحبّ في غَزَليّة رقيقة تنتهي برشفَةٍ شهيّة من الخمرة المعتّقة في شفاهِهما.
طَيَّبَ اللّه الأنفاس أيّتها الأخت منى عادل ظاهر، نتمنّى لك مزيدًا من العطاء والإبداع على طريق إثراء مكتباتنا بما تجودُ بهِ قريحتك خدمةً للحركة الأدبيّة العربيّة في البلاد.
لكِ الحياة.
[1] طعم التّفّاح: هو المجموعة الثّالثة للشّاعرة. صادر في فبراير- شباط 2003، عن الهيئة المصريّة العامّة للكتاب- سلسلة كتابات جديدة في القاهرة- مصر. هذه الدّراسة نشرت في صحيفة الإتّحاد اليوميّة في يوم الخميس الموافق 11 أغسطس- آب 2005.







