إصدارات
مع منى عادل ظاهر في ديوانها الجديد “ليلكيّات”1
شعر يموج بالأحاسيس المنطلقة ولغة جميلة في جمال الأحاسيس الشّعريّة.
بقلم: نبيل عودة.
الشّاعر/ النّاقد د. فاروق مواسي يكتب في مقدّمته للدّيوان، الواقع في 78 صفحة من الحجم المتوسّط: “وشمها على جدار الزّمن” إنّه “أمام شاعرة تشقّ طريقها” ويقرأها “من غير معرفة مسبقة” ممّا جعله يقول في بداية مقدّمته “ما أحرانا أن نقرأ الشّعر غفلاً من غير اسم صاحبه- حتّى نصقل ذائقتنا الشّعريّة، أن نتروّى من القراءة أكثر ممّا ننقاد من الذّاكرة”.
وأعتقد أنّ هذه أفضل شهادة لمنى ولو أنّها شهادة غير مباشرة.
أعترف أنا أيضًا أنّ هذا أوّل لقاء لي مع قصائدها وقد فعلت منى حسنًا بإهدائي ديوانها الأوّل “شهريار العصر” الصّادر عام 1997 إذ من البارز النّقلة النّوعيّة الكبيرة بين قصائد الدّيوانين، من حيث الصّياغة الفنّيّة، والسّيطرة على نبض اللّغة ورسم الصّورة الشّعريّة وفهم مهمّة الشّعر الإنسانيّة. ومع ذلك يشمل ديوانها الأوّل تجارب شعريّة جميلة وصادقة ولن يغيّر الزّمن فيها شيئًا بل ونجد أنّ بعض قصائد ذلك الدّيوان هي حجر الأساس لما سيأتي في “ليلكيّات” وأحيانًا هو استمرار طبيعيّ للحلم الشّعريّ ولنبض الحياة الّذي يحوّل الشّعر إلى بوتقته المفضّلة.
قسّمت منى ديوانها لثلاثة أبواب، ولكنّي جهدت لأفهم الدّافع وراء هذا التّقسيم، فلم أصل إلى شيء، نبضها الشّعريّ لا يختلف أجواؤها الوجدانيّة تمتدّ عبر كلّ قصائدها، في قصيدة “همسات” من الباب الأوّل (صفحة 13) تقول: “عيونُ البَدْرِ راعَتني/ على الأحلامِ أبْقَتْني
نجومُ اللّيْلِ لاقتني/ لنيلِ الحُبِّ نادتني ©”
القصيدة همسة وأميل أحيانًا لتسمية هذا النّوع من الشّعر بالبرقيّات الشّعريّة.
في قصيدة “ضياع” من الباب الثّاني (صفحة 23)، تقول: ” أروقَةٌ تزاحمُ الرّمادَ/ غبارُ الطّيورِ يتلاحقْ/ وسوادٌ يكتنفُ السّوادَ/ زمانُ الفَراشِ رحلْ/…”.
ونأخذ قصيدة “واقع” من الباب الثّالث (صفحة 65): “حُبّكَ؟!/ ضحكةٌ صفراءْ/ والقهقهاتُ عالياتٍ/ تًُفَتّتُ ما تبقّى/ من حطامٍ/ فيَّ ©”.
أجواءُ الهمساتِ تكاد تكون واحدة، حتّى المبنى الشّعريّ بالكاد يختلف، ولغتها التّصويريّة الجميلة تمتدّ على مساحة الدّيوان وتعتمد كثيرًا في نقلِ حلمها الشّعريّ على وجدانها، لدرجة يخيّل لي أنّ شعرها ووجدانها كلّ واحد مرتبط بخيوط من حرير، بالغة النّعومة ولكن شديدة القوّة والمقاومة للقطع. فهي من وجدانها تكتب شعرًا أو تكتب شعرها بوجدانها.
شدّتني قصيدتها “آلام البعد” (صفحة 14) بأجوائها الصّوفيّة، وتَفَجُّرها بأحاسيس تجرف القارئ:
“يا مهجَةَ الرّوحِ إرْحَمْ لا تَزِدْ ألمي/ قلبي تغنّى بِحُبٍّ ألْهَبَ الجسدا/…
وتنهيها: “يا فاتِنَ الرّوحِ روحي منكَ تحرقُني/ هَبْني وصالاً تغنّى بالّذي فُقِدا ©”.
ومع ذلك نجدها تَحذر ألاّ تقع بالصّوفيّة بمفهوم تعاملها مع نبض الحياة، مع أنّها تتصوّف أحيانًا بأجواء قصائدها وطريقة صياغاتها.
يتميّز الباب الثّالث بقصائد برقيّات، ولم أرَ بذلك ما يميّزها عن أجواء البابين الأوّلين، تقول في “ربيع فيّ” (صفحة 70):
“ألقى صورَتَكَ/ زهرةً نقيّةْ/ تستحمُّ على وُريقاتها/ سيمفونيّة نديّةْ ©”.
نصّها الشّعريّ شديد الاختزال ولكنّه يعبق بالوجدان، وتتدفّق من بين كلمات نصوصها أحلامها المتوثّبة، أحلام إنسانة قبل أن تكون شاعرة، وما الشّعر إلاّ نبض الرّوح توجّهه للقارئ فيقبل ما تعرضه عليه دون أن يفكّر بالاعتراض، إقتراح لا يمكن رفضه!! فهل هناك من يجرؤ أن يرفض “ليلكيّات” منى:
“اللّوعة ما بينك/ وبيني/ تميتُ الفرقةَ/ والزّمن[2]©”.
بعض أفكارها الشّعريّة تبنيها على المتضادات والمفارقات:
“وإيقاعُ الزّمن/ يعزفني/ مقطوعةً/ همجيّةً/ حضاريّة”[3] كما تقول في قصيدة “بصمات” (صفحة 34-35) وفي قصيدة “علقم” (صفحة 37- 38): ” علقمٌ/ يجرّعُ علقمًا/ وخلف القضبانِ/ وشاحٌ أخضر/…”.
الدّيوان مليء بالأحاسيس المرهفة، وعلى الأغلب تنجح منى بنقل القارئ لأجواء أحاسيسها، بحيث تشدّه لإعادة قراءة بعض القصائد لأكثر من مرّة، ليكتشف كلّ مرّة إحساسًا جديدًا يقوّي اليقين بأنّ الإنسان لا يمكن أن يتخلّى عن إنسانيّته، وعن كونه كائنًا اجتماعيًّا قبل أيّ شيء آخر.
أهلاً بمنى في روضة الشّعر، شاعرة واعدة ومرهفة الحسّ.







