“…نهضتها الكبيرة جاءت في عهد الشّيخ ظاهر العمر الزّيداني الّذي جاء من الحجاز إلى فلسطين، واتّخذ من عكّا عاصمة له كما ازدهرت في عهد الوالي أحمد باشا الجزّار من بعده.
قصيدة للشّاعر نقولا الصّائغ وتاريخها 1751م، فيما يلي نصّها:
سور منيع عاصم عكّا فما
تغتال إن قد عيد منه الدّاثر
من ظاهر العمر الّذي اشتهرت له
بين البريّة أنعم ومآثر
تمّت محاسنه فيرنو ناظر فيه
لما بناه الشّيخ ظاهر عنوة
أغناه تاريخ بناه ظاهر.
….”
عكّا.. لا تخاف من هدير البحر!
خالد عزب
مائة عام مرّت هذا العام على تهويد مدينة عكّا، حين بدأ اليهود يزحفون بكثافة عدديّة إلى تلك المدينة، الّتي لا يزال بعض من سكّانها صامدين يقاومون التّهويد بالصّمود والبقاء. وتراث عكّا ما زال شاهد عيان حيّ على صمودها ضدّ الغزاة وكان آخرهم نابليون بونابرت.
لا أحد يتحدّث عن أوقاف العرب فيها، تلك الّتي صادرها اليهود، ولكنّنا هنا سنُذكِّر بعكّا
“يا خوف عكّا من هدير البحر” هكذا قيل ولا أحد يعرف من هو القائل وفي أيّة مناسبة قيل هذا الكلام الّذي ذهب مع الأيّام مجرى الأمثال، لكنّ جولة ميدانيّة قصيرة في حواري عكّا وعلى شوارعها وشواطئها وفي أسواقها ولقاء أهلها تؤكّد أنّ المدينة الّتي هزمت نابليون لا يمكن أن تخاف من هدير البحر!
فالبحر عند العكّيّ هو مجرى الحياة، تمامًا كجريان الدّمّ في الشّريان فيعطي الحياة، هكذا البحر بالنّسبة إلى العكّيّ، وخاصة أرباب أكثر من 250 أسرة تعيش على صيد الأسماك.
حين تأخذك قدماك إلى السّوق المركزيّ في عكّا- وهو أحد أكبر الأسواق العربيّة المزدهرة والوحيد الّذي حافظ على ملامحه القديمة- يبعث فيك حنينًا لأيّام عكّا في حُلّتها الإسلاميّة قبل وقوع نكبة 1948.
يرجع المؤرّخون تأسيس عكا إلى الألف الثّالثة قبل الميلاد على يد القبائل الكنعانيّة المعروفة باسم “الجرجاشيّين” الّتي أطلقت على المدينة اسم “عكر” أيّ الرّمل الحارّ، وجعلت منها مركزًا تجاريًّا مهمًّا، وفي العهدين الرّومانيّ والبيزنطيّ امتازت المدينة بكونها أهم مرافئ حوض البحر المتوسّط.
وفي عام 636 م وصل الفاتحون المسلمون بقيادة “شرحبيل بن حسنة” إلى عكّا، وفي عهد معاوية الّذي تولّى ولاية بلاد الشّام في عهد الخليفة “عثمان بن عفّان” وضعت نواة الأسطول الإسلاميّ حيث بُني حوض لبناء السّفن، وحقّق هذا الأسطول انتصارًا شهيرًا في معركة ذات الصّواري الشّهيرة.
في عام 1104م سيطر الصّليبيون على المدينة حتّى عام 1291م، حيث استبدل الهلال بالرّايات الصّليبيّة بعد أن حرّرها السّلطان المملوكيّ البحريّ الأشرف الخليل، وفي العهد العثمانيّ استعادت عكّا قسطًا من أهميتها لكن نهضتها الكبيرة جاءت في عهد الشّيخ ظاهر العمر الزّيداني الّذي جاء من الحجاز إلى فلسطين، واتّخذ من عكّا عاصمة له كما ازدهرت في عهد الوالي أحمد باشا الجزّار من بعده.
في عكّا العديد من المساجد الّتي بناها المسلمون على مرّ العصور أشهرها مسجد الجزّار الّذي بُني على النّمط المعماريّ العثمانيّ، وأجمل ما في المسجد قبّته الّتي تشعّ بلونها الأخضر على المدينة بأكملها، وفي المسجد الكثير من الآثار العمرانيّة منها السّاعة الشّمسيّة، صهاريج للمياه، وفي صحنه ضريحان أحدهما لأحمد باشا الجزّار والثاني لابنه سليمان، وتحيط بالصّحن 45 غرفة صغيرة كانت خلاوي لطلبة العلم بالمدرسة الأحمديّة الملحقة بالمسجد، وقد أغلقت هذه المدرسة عام 1948م، وتحيط بالصحن أروقة سقفت بقباب ضحلة ترتكز على أعمدة رخاميّة، وفي باحة المسجد كانت تعقد المحكمة الشّرعيّة.
ومن مساجد عكّا الأثريّة، الزّيتونيّ الصّادق، وسنان باشا، ومسجد الميناء ومسجد الرّمل واللّبابيدي والمجادلة، وبفضل بقاء بعض سكّان عكا المسلمين فيها إلى الآن حُفِظت المساجد ونجت من المصير المدمّر الّذي لقيته المساجد في مدن فلسطين الّتي هجّر أهلها.
حمّام الباشا
من أشهر معالم عكّا الأثريّة حمّام الباشا، وهو حمّام كبير فخم بناه حاكم عكّا أحمد باشا الجزار عام 1795م تقريبا وإليه نسب، أقيم هذا الحمام على طراز الحمّامات الإسلاميّة، ولا يوجد به نوافذ، إنّما يستمدّ أنواره من الزّجاج الملوّن في سقفه المقبّب، وعند مدخل الحمّام نجد العديد من الغرف الّتي تستخدم لخزن متعلّقات الحمّام ومنها الحطب الّذي يستخدم في تسخين المياه.
تحصينات عكا
تحصينات عكّا لها تأريخ عريق فنجد لها صدى على نقوش جدار معبد الكرنك، وقد زاد اليونانيّون في تحصينات هذه المدينة فبنوا أسوارها في القرن 4 ق.م، وقد أعيد تجديدها في عهد الرّومان، ولما جاء الحكم الإسلاميّ للمدينة زاد عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك في تحصينات المدينة الّتي تحولت في عهد العبّاسيّين إلى ثغر مهمّ لصدّ عدوان الرّومان، كما زاد في هذه التّحصينات أحمد بن طولون عندما ضمّ الشّام لملكه، وقد وصف لنا كلّ من المقدسيّ وناصر وخسرو عكّا في ذلك الحين، وانتزع الصّليبيّون عكّا وزادوا على تحصيناتها خاصّة بعد سقوط قلعتها المنيعة في أيديهم.
وأكبر عمارة حربيّة جرت في عكّا كانت على يد الشّيخ “ظاهر العمر” الّذي فرض نفوذه على المدينة والمناطق المجاورة لها في عام 1744م فبنى سور عكّا الحاليّ، الّذي يحيط بالمدينة القديمة إحاطة السّوار بالمعصم، ويبلغ محيط هذه الأسوار 2580، وقد قيل في بناء السّور قصيدتا شعر، إحداهما لشاعر مجهول حفرت على السّور فوق البوّابة، والأخرى للشّاعر نقولا الصّائغ وتاريخها 1751م فيما يلي نصّها:
سور منيع عاصم عكّا فما
تغتال إن قد عيد منه الدّاثر
من ظاهر العمر الّذي اشتهرت له
بين البريّة أنعم ومآثر
تمّت محاسنه فيرنو ناظر فيه
لما بناه الشّيخ ظاهر عنوة
أغناه تاريخ بناه ظاهر.
وهناك شعر آخر فوق البوّابة القديمة نصّه:
بأمر الله هذا السّور قاما
بعكّا من فتى بالخير قاما
أبى الفرسان ظاهر المفدّي
أعزّ دولته دواما
فباطن بابه الرّحمات فيه
وظاهره العذاب لمن تعامى
وذا بالله صار حميّ فأرّخ
بناك الله فخر الأياما
وجعل ظاهر العمر للسّور بوّابتين رئيسيّتين واحدة في جنوبه الشّرقيّ، وعلى بعد مائة متر داخل البوّابة الحاليّة والأخرى في شماله، وإلى الشّرق من قصره وكانت الأخيرة تعرف ببوّابة الرّأي أو بوّابة السّباع، وجميع أسوار عكّا مبنيّة من الحجر البازلتيّ أسود اللّون الممتاز والحجر الجيريّ، وتمتدّ الأسوار البرّيّة من باب البرّ من جهة البحر عند برج “قبوبرج” وتنتهي عند برج “الكومندار”، في أقصى الشّمال الشّرقيّ للمدينة القديمة وهذا البرج هو أهمّ حصن أثريّ بالسّور، وكان صموده يقرّر مصير المدينة في مختلف المعارك، أمّا الأسوار البحريّة فتنقسم إلى السّور الغربيّ والجنوبيّ، ويقع الأوّل بين برج كرين في شماله وبرج السّنجق حيث أقيم الفنار عليه، ويتوسّطها برج الحديد ويمتدّ السّور الجنوبيّ بين برج السّنجق وباب البرّ، والّذي بالقرب منه كانت توجد مخازن البارود الّتي أصابتها قذائف أساطيل الدّول الأوروبيّة أثناء هجومها على المدينة في عهد إبراهيم باشا بن محمّد علي ممّا أدّى إلى مقتل الكثير من جنوده وتدمير ما جاورها من سور المدينة.
وبسبب أهميّتها الإستراتيجيّة من حيث موقعها وكونها عاصمة له، فقد اهتمّ أحمد باشا الجزّار منذ بداية حكمه للمدينة في نهاية القرن الثّامن عشر ببناء أسوار مميّزة لمدينته امتازت بعلوها وسمكها فبموازاة السّور الخارجيّ بنى سورًا داخليًّا يفصل بينهما خندق عريض عميق جدًّا كانت مياه البحر تفتح عليه لمنع الغزاة من اقتحام المدينة، وبذلك شكَّل السّور الخارجيّ المزوّد بمرابض خاصّة للمدفعيّة ومستودعات الذّخيرة والمؤن خطّ الدّفاع الأوّل، والسّور الثّاني خطّ الدّفاع الثّاني في حالة الدّفاع في الخطّ الأوّل، ويتكوّن السّور من جدارين متوازيين طمرت الهوّة بينهما بالطّين والحجارة بعرض عشرة أمتار، وهذا ما استهلك جهدًا ووقتًا كبيرين، وقد تيقّن أحمد باشا الجزّار كم كانت جهوده في تحصين عكّا وبناء أسوارها الضّخمة مبرّرة عندما جاء الامتحان الأصعب في حصار نابليون بونابرت لمدينته في 20 مارس 1799 والّذي انتهى بانسحاب بونابرت من بلاد الشّام وعودته إلى مصر مهزومًا.
واليوم تشكّل أسوار عكّا أحد أهمّ مقوّماتها الأثريّة وجاذبيّتها السّياحيّة، وبإمكان الزّائر أن يسير مسافة على ظهر السّور ويشرف على البحر وأحياء المدينة، ويرى المدافع الّتي نصبها الجزّار وهي لا تزال منصوبة فوق الأسوار.
June 11th, 2006 at 7:08 pm e
أنا صاحب هذا المقال هل لديك معلومات عن ظاهر العمر خاصة عن أوقافه
خالد عزب
مدير الاعلام مكتبة الاسكندرية
June 11th, 2006 at 7:20 pm e
أهلا بك أستاذ خالد عزب-
مدير الإعلام في مكتبة الإسكندريّة،
حاليّا أنا أعمل على إضافة صفحات في موقعي عن ظاهر العمر الزّيدانيّ، لتوثيق كلّ ما يتعلّق بشخصه ومشروعه.
بانتظار ملاحظاتك.
وأكون سعيدة بمساهماتك هنا.
تحيّاتي