…
من وحي نصير شمّة[*] يوم 29-8-2003، في القاهرة:
والصّوت فيكَ هو الكلّ، عيون لإيقاعات تتخضّب في أنامل.. زخارف على العود نصيريّة في انكشاف للحواسّ.
الرّوح تراقص نسائم النّيل، واللّيلك في المكان يناغيك هناك في المكان.. والرّنات ترسم تفاصيل مساماتك.
تقلّبات الهواء تقلّب أعاصير في الفؤاد، هدهدات العود تغيّبك.. تغيّبها وتعيدك راكبا قوس قزح، وأنا في المكان بين جمر الألوان.
..
وهي تلاعب ما فيك بتداوير ثوبها الغجري.. وذاك الّذي يحرّك كلّ ما فيكَ- كلّك في المكان.. يسحر كلّي ولا يُبقي على الأرض إلاّ بعضي.
والحبّ يشتعل ويطيّر الشَّعر، تتساقط خصلاته على عيونك.. والهواء يطيّر خصلات شعري.
يتزاوج العود والطّبل والبونجز في المكان، وتكون الحواريّة مع العود.. أتنفّس عشق الأوتار والإيقاعات.
..
يقول لها: إنّ شراعه قد يوشك على الرّحيل..
لكنّها ليلكة تستبقيه.. أنفاسها أطياف تغيّبه، والغيبوبة هالة.
..
تستيقظ أجنحة الفراشة الملوّنة، تنزلق بين الأزاهير. تسرق منها طيوفا لألوان جديدة.
.. وكأنّ الموج تحت أقدامه رقراقاً.
تُحادث الموجة الأخرى بأنّ العتاب الآن زائل، لأن العشق للحياة عهد.. والمحار يحمل فيه اللؤلؤ.
وتعاود سيقانها الطّويلة رنين الخلخال.. هي الفرس حين تحيّرك، تجمح تارة وطورا تلاصق خطواتك.. تدوس على يقينك، ولا يجوز ترويضها، فرقصاتها بالفطرة تدوّخك ويرتجّ القلم ويترنّح الألم..
وهو الفارس يحاول أن يركبها! .. تخطف منك قطع السّكّر وتتابع رقصاتها بعيدا في اللاّمكان، حيث لا تجد أنتَ نفسك.
.. ليس لها اسم، فكلّ الأسماء لها.. لها كلّ الأشياء، وهي تجرّد الأشياء من أسمائها..
..
ويكون البنفسج بنفسج أرواحهم..
وعلى حافّة الألم هدية لنضال المرأة الفلسطينيّة، بطرحتها السّوداء وعينيها النّجلاوين.. وزندها المخضوضر، صامدة هي تهزّ السّرير بيمناها وتزرع الفل بيسراها.. كلّنا في الوطن، نبني بيوتا ونزرع الزّيتون.
هو في المنفى حيث اللاّوطن، يناديني لنقطف معا حبّات الزّيتون الأسمر من الشّجرة الّتي تطلّ على بيتنا هناك في: رام الله، نابلس، جنين، يافا، النّاصرة وكلّ مكان.
جفّت دموعها وأزهرت حبقا متناثرا، حيث تشارك ابنها، زوجها، حبيبها، والدها وأخاها في حماية التّراب والبذور..
لها وشاح من الياسمين، لكُنّ ولنا.
.. وتأتيها نبراته ناعمة تلفّ صوتها، هو نجمها ولا نجوم في المكان الّذي يجالسها..
وذاك في المنفى يلازم ليلها حين يشقّ الهلال رماديّة السّماء وطيف الغروب.
من هي تلك المرأة المعاصرة؟
قد تقلّب هي أوراقكَ في رمشة من العين.. وتتضاحك عيونها ألقا ونرجسا وفيروزا! وأنت تبقى متّكئا على الأريكة مذهولا..
أو أنّها من الغرانيق تسبح في الفضاء.. وأنت تلاحقها بمقلتيكَ، تنسحر لبياضها.. فتذكر تلك الأخرى الّتي أحببت.
لا تقدر أن تنساها فهي تباغتك لحظة يحلو لها.. لا تنتعل الكعب العالي هي، تصوّر!
رائحتها تدخلني، تتماهى فيّ عند هبّات النّدى على أوراق الشّجر..
ليل القاهرة فيه قدسيّة منكَ، وتتقافز النّوتات حواليك عراقية..
* * *
قد يدرّب البعد الحواسّ على اجتياز حاجز الضّوء.. والشّوق ليس توتا فحسب، إنّما قد يكون عنبرا ولحنا ونيلا..
تتفحّص الفراشة ألق ألوانها، يخيّم الصّمت على المكان وتنسدل ستارة السّحَر ويحلو السّمَر.. وهذيان الأنامل يلاعب أوتار العود.
ويأتي الأرز حانيا، في حنوّه إبهام.
تنغلق الكلمات وكأنّها تحتقن، ولا تخطّ الرّوح أو الورق.. وكأنّ نسمات الهواء اللّيليّة النيليّة تأخذها عاليا وتسقِطها نقاطا تملأ فراغ البياض في الورقة.
يقول: هلَكَتني أطيافك والملاحقة! سآتيكِ إلى أيّ مكان أنتِ فيه..
. . .
غرابة الظّلّ تراودها.. فقد يكون ظلّه يلازمها.. قد لا يكون بعيدا عنها.. فكما قال: القاهرة قريبة، ليست ببعيدة.
سحر المكان في بيت الهرّاوي- بيت العود على حدود منطقة الباطنيّة يسرق أرواحك .. وأنتَ تتقلّب في أوتارالعود.
* * *
صباح السّكّر لكَ، يذوب في فنجان أشواقي..
كتبت له: صنف من الحلوى
” أتمنّى لك أوقاتا كالسّكّر، تذوب حبّاته في كؤوس أشواقي”.
تطوّقها أشواقه:
-” أحتاجكِ فراشة بأجنحة صقر”.
- لكّ من الحبق من على نافذتي.
- لنافذتكِ المطلّة على الجرحِ أن تحيا مكانها.. ولعينيكِ منّي ما للحبق من الأرض والسّماء.
* * *
وهناك في اللاّمكان، يقاسمني هو الهواء، لنرقص للموت ونهرب من القفص..
- الوطن هو امرأتي.. والمكان كلّه لي بما فيه أنتِ.
أنتِ وطني.. يكفيني أنتِ.
. . .
لكنّه يجنّنها بمماحكته ولا يرضيها.. ويقول إنّ ذلك مزاح: لننتظر ريثما نصل النّهر.. تقول: ولكنّنا على مشارفه. يجيبها: لكنّنا لم نصله بعد.
أتراه حقاً سيجنّنها؟
. . .
طيفها يسكنه ويساكنه، يودّها معه وفيه وله وبه.. يقول إنّها تشعله وتحرق ما فيه من لهيب..
إشتياقه إليها شجرة وارفة الظّلال طويلة الأغصان، في داخلها حريق مشتعل.
فتيلة التّعاشق بينهما تهتاج..
ولا تنفصل الرّوح عن الرّغبة أو عن الجسد.. فمفهوم الرّّوح الأوسع هو الّرغبة..
- ” أريدكِ أن تدخلي مساماتي.. أرغب بأن تستكينيها”.
. . .
ويأتيني صديقي ليقول: الجسد هو وعاء لفعل الرّوح والرّغبة.. والشّهوة هي اشتعال المشاعر.
في العشق تتقلّص الشّهوة والرّغبة، وإن حدثت فإنّها تكون حقّا اشتعالا للرّوح.
* * *
[*] نصير شمّة الفنّان وعازف العود العراقيّ، مؤسّس بيت العود العربيّ في القاهرة.








