في زمن الحروب يضحى الإنسان المعجون بكومة المشاعر والغرائز، المجبول بروح وفكر ومُكْتَسَبٍٍ.. يضحى الإنسان المقتول رقمًا لا غير.. عددًا مضافًا إلى أعداد سابقة وأخرى قادمة..
تقوم الحروب لمصالح ومآرب أساسها الاقتصاد والمصالح الماديّة.. لكن ما نحن فيه لا أفهمه.. طرف يقتل وآخَر يقاوم.. أليست المقاومة دفاعًا عن إنسانٍ/ بيت/ أهلٍ/ أرضٍ/ عن وطن.. ما يحصل الآن هو حرب لا هدف منها سوى التّدمير والقتل ثمّ القتل والقتل..
حقيقة تنتابني مشاعر متناقضة مليئة بالحزن، الاكتئاب، حتّى الشّلل لكلّ ما يجري في أرض تتقاذف الميّتين والقتلى، في أرض غدت كومات من تراب وحجارة وأحمرٍ قانٍ.
قتلى هنا في فلسطين.. وقتلى في العراق.. وقتلى هناك في لبنان..
في اليوم الثّامن للحرب: قالت لي صديقتي المتأجّجة كانت بالحياة والمغامرات والضّحكات- من هناك: أنا ما زلت على قيد الحياة.. لقد حُرِق بيتي وهربت منه.. هربنا منه في لحظتها.. ونحن في ثياب النّوم، أتدرين كان يجب أن أبقى فيه لأحترق وإيّاه..
صمتُّ .. ثمّ قلت: سينتهي هذا الكابوس لنحتمل معًا..
قالت: نعم سنفعل..
هنا وزّعت الأمّ التّمر والفاكهة المجفّفة على روح فلذتيّ كبدها ربيع ومحمود عبد الرّحيم طلّوزي.. وقالت لنا نحن النّساء المحتشدات في بيتها الكائن في حيّ من أحياء النّاصرة العتيقة الصّامدة ببيوت حجريّة متواضعة جدًّا: حالي كحال كلّ الأمّهات اللاتي فقدن أبناءهنّ في الضّفّة والقطاع وفي لبنان.. هدى هناك بقيت وحيدة دون أحد.. كانت مع رمل الشّاطئ ودموع البحر في غزّة.. وأنا هنا ما زلت أمًّا.. سأكون كذلك من أجل أولادي الباقين.. شكرًا للّه الّذي يحتفظ في جنّته هناك بهما.. “سآتي إليكما.. لكنّني لا أعلم متى؟ انتظراني.. كلّنا سنأتي..”
في اليوم التّاسع للمجازر المترامية، ألتقط سمّاعة الهاتف وأنا في ناصرتي المكلومة بطفلين، لأسمع صوتًا قادمًا من هناك، يعزّيني ويقول لي: اهتمّي بنفسك وكوني بخير مع عائلتك، نحن هنا صامدون.. لا تقلقي علينا، نحن معتادون على الحروب والدّمار والتّشرّد.. لتصمدوا مثلنا هناك..
قلت له: ما يجري لكم.. يجري لنا..
تواعدنا أنّ الإبداع سيخفّف من وطأة ما يجري.. أحقًّا سيكون كذلك!؟
لم أتلقّ أيّة إجابةٍ لتساؤلي.. سوى صورٍ إضافيّة ومشاهد دموعٍ وخراب..
في اليوم الثّاني عشر: تتحدّث امرأة ترتدي ملابس الحرب مع أخرى وتقول: مجانين هم هناك في الضّفّة.. ألا يدرونَ أنّ أسلحتنا كثيرة وممتدّة.. فليبقوا صامتين في هدنة..
ثمّ نسمع عن طفلٍ يولدُ.. يحملُ حجرَ مقاومة وينادي ” سأبقى وعائلتي.. سنبقى على أرضي”.
اليوم الثّالث عشر من دمار الإنسانيّة.. هو يومٌ يرافقه سكوت وإعلان مخزٍ.. تستمرّ أداة الحرب بلا هوادة لتقصف صديقةََََ عزيزٍ عليّ.. هي صحافيّة عاشقة للموسيقى.. تموت وتغدو رقمًا آخر في سجلّ إحصائيّات لا متناهٍ للآن.
ولا أسمع في مكاني القابع في البلدة القديمة إلاّ أصوات طائرات تُقلِع لإكمال المهمّات.. وتقتلع معها كلّ الورد وأحلام صغار تتفتّح..
تمضي سبعة أيّام، ويكون اليوم هو اليوم العشرون.. تصحو “قانا” دون نومٍ، كما في عام 1996، تودّع أطفالها وقَتْلاها الثّلاثة والسّتين..
أقف هنا بعد المجزرة هناك، وتتلاشى كلُّ المَشاهِدِ إلاّها مشاهِد أنقاضٍ ولا انفضاض دموع طفلةٍ قالت: “قُتِل إخواني وأخواتي ووالداي .. وأبناء وبنات عمّي.. لم يعد لي أحد هنا..”.. واستصراخ والدٍ تنتحب عيناه، ذنبه أو خلاصُه أنّه ذهب من أجل أن يقوت أولاده وزوجته، رجع ليقف قرب حجارة متناثرة، كانت قبل ساعات بيت أسرته، تمرّغت حجارته بأحمر أجساد امرأته وصغاره.
وتتحرّق الأمُّ الّتي نبشت التّرابَ بيديها لتنقذ زوجها الكسيح، وتخلّص رجليه من حقد القصف المهتاج.. ومن تحت الرّدم يطلُّ صوت طفلتها: “أمّي أنا هنا..”، تتنازع الأمّ حيرةٌ قاتلةٌ فلا أملَ في أن تنقِذَها: “يا روحي، ستكونين هناك في العلا..سلّمي على “ستّنا زينب”.. رُوحي مع كلّ الصّغار المتراكمةِ أجسادهم فوقَك.. كلّكم ستكونون معًا”..
هنا نبكي.. يبكي صديقي ويقول: “أرى أطفالي الصّغار الآن وهم نائمون.. هل سيأتي يوم يحمل مجزرة أخرى لهم؟!
يصرخُ النّاس والعالم نيام.. وتأتي السّماء حبلى بصوت مظفّر النّوّاب: “قِمم قِمَم.. مِعزة على غنَم”..
ويتهافتُ أبناءُ الحَرْبِ لإطعام القطط والكلابِ الّتي لم تتّسع لها الملاجئ.. ويذرفون دموعهم عليها.. فتتشكّل فروعٌ أخرى للرّفق بالحيوان!.. ويتأوّهُ صغيرٌ يطالِبُ امرأةَ السُّلْطةِ بأن تفتّشَ عن كلبه الضّائع.. وتقول أخرى “لم أتصوّر أن يكونَ الوضعُ بهذا السّوء”..
..تُستنفَرُ القوّات!
اليوم هو الثّالث والعشرون، هو يومُ من أيّام الفقدِ الطّويلة.. هو يوم النّفير الآخَر.
في هذه الحرب السّادسة، تتواصل الهدايا الموقّعة بأسماء الأطفال من كلّ حدبٍ وصوبٍ إلى هناك!
وفي غزّة- هنا، لا يتعدّى عمر الأطفال إلاّ الشّهور!
اليوم الثّالث والعشرون- يوم استدامة الغارات هنا وهناك.. غارات لميلاد أرضٍ أوسطيّة جديدة!
يتواصل هدم الحضارة ومحو الفينيق.
ويصلني هنا مشهدُ قطف الأطفال الرّضّع، واقتلاع الأمّهات الحوامل والرّجال المكسورين قاطفي التّفاح الأحمر.
يأكلون التّفّاح هنا وينسفون التّفّاحات هناك، والأحمر البطل هو من يقود الدّفّة!
فجرُ اليوم الخامس والعشرين:
صديقٌ لي ينتابه هذا السّيناريو القصير:
طفلٌ يسائلُ أباه هناك: “لماذا يا أبي تُنشَرُ صورُ قَتْلانا هنا؟”
يجيبه الأبُ:” تُنْشَرُ صور قتلانا يا بنيّ، من أجلِ أن يرقُصَ الجنديّ المسؤول هناكَ!”
ويعاودُ الأب سؤال نفسه:” أحقًّا صورنا تُنشَر؟ إذن هل العالمِ كلّه يشاهد ما يجري هنا؟
.. ما من مُجيب!
إن آجِلاً أم عاجلاً سيعود الحقّ لأصحابه في كلّ مكان.. فقط علينا أن نتشبّث بحقّنا ولنقاوم.. تراب أرضنا يعرفنا وسيبقى لنا ولو بعد حين.
في 24/7/2006- 6/8/2006








August 15th, 2006 at 11:18 pm e
hay monaa ana rita mabrok ana 2awal mara ba3ref anooo 3ndek maw2e3 mabrook
August 15th, 2006 at 11:24 pm e
شكرا عزيزتي ريتا
أتمنّى أن تتابعي كتاباتي هنا.
وأرحّب بك أيضًا في المنتدى
محبّتي.
August 18th, 2006 at 10:28 pm e
… منى ظاهر في الإقتصادية اليوم ….
15/08/06, 09 :17 09:17:12 AM
——————————————————————————–
أمنياتي لمنى بدوام التوفيق والتألق..
تحياتي
مها الغامديّ، السّعوديّة
(عن موقع مدد، بتاريخ 15/8/2006)
August 18th, 2006 at 10:30 pm e
رد: … منى ظاهر في الإقتصادية اليوم ….
16/08/06, 12 :09 12:09:28 AM
——————————————————————————–
“منى” ..
زكية الحرف والنزف …
هدى الغامديّ- منسّقة مدد الخارجيّة، السّعوديّة.
(عن موقع مدد، بتاريخ 16/8/2006)
August 18th, 2006 at 10:30 pm e
الى الجميلتين مها وهدى
كم هو صعب أن لا نستطيع أن نعبّر عنّا حتّى بمعشوقنا الحبريّ- القلم.
مودّتي الخالصة
August 19th, 2006 at 11:24 pm e
رد: … منى ظاهر في الإقتصادية اليوم ….
19/08/06, 03 :01 03:01:52 PM
——————————————————————————–
رائعة يامنى بإطلالتك أيا كان حبرها وقلمها …
موعودون بمزيد على نحو ذلك الجمال ..
إن شاء الله
هيثم السّيّد، مبدع
(عن موقع مدد، بتاريخ 19/8/2006)
August 19th, 2006 at 11:25 pm e
لقد أغدقتني بشفافيّتك المرهفة
عزيزي المبدع هيثم السّيّد
مودّتي
August 20th, 2006 at 10:06 am e
ّ رد: … منى ظاهر في الإقتصادية اليوم ….
19/08/06, 09 :55 09:55:54 PM
——————————————————————————–
//
أوجعت قلبي يا منى
سامحك الله
بديع حرفك
وعميق
كالحياة
أحييك
وشكراً لك يا مها(مها الغامديّ الّتي نقلت المادّة من الإقتصاديّة إلى مدد)
محمّد العشريّ، روائي مصريّ
(عن موقع مدد، بتاريخ 19/8/2006)
August 20th, 2006 at 10:07 am e
عزيزي الرّوائي محمّد العشريّ
أدعوك أوّلا لمتابعة اليوميّات كاملة في “نقّار الخشب”،
قلمي لم يستطع أن يترجم الوجع الّذي بات مستكينًا فينا.
شكرًا لكلماتك
تحيّاتي