القائمة الرئيسية
صفحة البداية
بلا ضفاف
منثور الفراشة
شعر الورد
ترجمة للرّوح
Traduit en Francais
Translated to Hebrew
Translated to English
Traduit en Turc
Traduit en Espagnol
رذاذ الغيم
صوتيّات- sound/ voix
عن منى
About Mona
منع أصابع
ظاهر العُمَر الزّيدانيّ
بحث في الموقع
مواقع صديقة
دفتر الزّوّار- signature
معرض الصّور/ GALLERY
غرفة الادارة

 


في زمن الحروب

يضحى الإنسان

المعجون بكومة

المشاعر والغرائز،

المجبول بروح وفكر

ومُكْتَسَبٍٍ.. يضحى

الإنسان المقتول رقمًا لا غير..

عددًا مضافًا إلى أعداد سابقة وأخرى قادمة..

 


Muslim Names and toddlers meanings
صفحة البداية arrow منثور الفراشة arrow مَن سَيَنْتَصِر؟
مَن سَيَنْتَصِر؟

حدَّثتني جدَّتي “موفادَّت”، قالت: بسم الله الرّحمن الرَّحيم، عن جدَّتي خالة أبي “نوريَّة” رَحمها الله قالت: “كان يا ما كان وما يحلا الكلام.. إلاّ بِذكر النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام- اللّهم صلِّ وسلِّم عليه..

الحكايَة الرَّابعة:
                                      "مَن سَيَنْتَصِر؟"

 

حدَّثتني جدَّتي  "موفادَّت"، قالت: بسم الله الرّحمن الرَّحيم، عن جدَّتي خالة أبي "نوريَّة" رَحمها الله قالت: "كان يا ما كان وما يحلا الكلام.. إلاّ بِذكر النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام- اللّهم صلِّ وسلِّم عليه..
إنّه: ومنذ بداية القرن السّادس عشر وحتّى أوائل القرن العشرين، كانت سوريا الكبرى (بلاد الشّام) ومصر والعراق ومناطق أخرى من العالم العربيّ أجزاءً من الإمبراطوريّة العثمانيّة.. وكلّ واحدة من هذه البلاد العربيّة كانت مقسَّمة إلى ولايات بحسب التّنظيم الإداريّ. حيث قسِّمت بلاد الشّام إلى ثلاث ولايات هي: الشّام، حلب وطرابلس وبعدها صيدا. أمّا مصر فاعتُبِرَت ولاية واحدة وكان مركزها مدينة القاهرة .. والعِراق قسِّمت إلى ثلاث ولايات وهي: بغداد، البصرة والموصل. أمّا اليمن فكانت ولاية عثمانيّة واحدة. وقد قُسِّمت كلّ ولاية إلى سَناجِق، مفردها سنْجُق وتعني بالعربيّة اللِّواء في بلاد الشّام وفي مصر سُميِّت الكُشوفيّات ومفردها كُشوفيّة.. ويحكم كلَّ منها كاشف. وقد حَكَم كلّ ولاية والٍ ساعده في عمله عدد من الموظّفين من بينهم القُضاة..
    في حكايتنا هذه ستستمعون وستستمعن إلى أحداثٍ جَرَت في إحدى هذه الولايات وهي ولاية كان يحكمها الوالي "حمدان باشا" ويساعدهُ في شؤون الإدارة والتّنظيم اثنان من أَمهرِ القضاةِ  في المنطقةِ ،هما أَخوان: "عبد المجيد" الأَكبر سنًّا أمّا الأَصغَرُ فيدعى "عبد الحميد"!
عاشَ "عبد المجيد" في قصرٍ كبيرٍ يَقَعُ في أوّل الولاية عيشةً هنيئَةً مع ابنه الشّاب "كمال". أَمَّا "عبد الحميد" فقد رافقَتْهُ في حياتِه المطمئنّة في قصرٍ فخمٍ في آخِر الولاية ابنته الشّابة "زبيدة".
     "زبيدة" و"كمال" لا يعرفان بعضهما البعض فوالديهما على خصامٍ منذ أكثر من عشرين عامًا، أيّ من فترة  وفاة الجدّ- كبير العائلة. وسبب الفرقة وطول الهجران كانَ مزرعة الخيول الّتي كانت مُلكًا للأسرة. فبعد رحيل الوالد تخاصَمَ الابنان على ملكيّة هذه المزرعة شاسعة المساحة والمليئة بالخيول العربيّة الأصيلة بألوان اللّيل وعتمته.
قررّ "عبد الحميد" حينها أن يترك الضّيعة الّتي كان يعيش فيها مع أسرته ويرحلَ إلى قصر حجريٍّ أَبيض شيّدهُ في آخر الولاية، مع زوجته وابنته الوحيدة. وبقيت المزرعة تحت عين الأخ الأكبر "عبد المجيد" فمنزله الشّامخ العالي يُطلُّ على أوّل المزرعة المليئة بإسطبلات الخيول وأشجار مثمرةٍ من مختلفِ أصناف الفواكه النّاضجةِ الملوّنة.
* * *
توالت الأيَّام وازدادت السِّنينُ، وعَظُمَ شأن الأخوينِ وأَحوالهما توفّقت.. لكنّ الجفاء احتلَّ قلبيهما..

كانَ النّدى يزدادُ لمعانًا ورقرقةً.. والزّعرورُ يتفتَّحُ ضاحكًا حين ترتادُ "زبيدة" الخمائلَ في حاشيتها فتتألقّ الألوان من هذا الخلق الربّانيّ وتتضوَّعُ الطبيعةُ داخلَ القصر وخارجه بعبير عاطرٍ يتناغم.. " زبيدة" كانت فاتنة، عيناها لوزيّتانِ مائلتان بلونيها إلى العَسَلِ.. شَعرها متهدِّلٌ متموِّجٌ كأنّه اللّيل حينَ يرخي سُدوله.. أَمّا القوام فميّاسٌ ومشيتها كالغزال الرّشيق.. حَبَاها الله بذكاء ٍ شديد فتعلَّمت من أبيها "عبد الحميد" أصولَ الفروسيّة والقتال، فنَّ الحسابِ والهندسة وقوانين التّحليل والمنطق.
     تربّى "كمال" على الشّجاعةِ والمبادرة. وكانَ قويَّ البنيةِ واثقًا من نفسهِ لدرجة الغرور أحيانًا، وسيمَ الطّلعة، أَخضَرَ العينين وأسمر اللّون.. يمارسُ الرّياضيات كلّها ويتقن حلّ المسائل المتعلِّقة بالعلوم والجبر والهندسة. يهوى امتطاء الخيول وخوض السِّباقات.. يقضي معظَم أوقاته في مزرعة الخيول السّوداء، يطوف في بساتينها كأنّه روضةٌ فوّاحةٌ من الأزاهير النّضرة.. و"يقظانُ" معه- أَمين سرِّه كان يرافقه ويحرسه في كلّ زمَاَن ومكان.. و"كمال" بدوره كان يهنَأ لرفقته ويستشيره في أموره.
* * *
نشأَ الاثنانِ "زبيدة" و"كمال" وهما يكنّان البُغض في قلبيهما.. الواحِدَ للآخَر.
وقد وَصَل إلى مسامع "زبيدة" أنّ ابن عمّها "كمال" مصمِّم على إِغوائها، وهو يراهن على ذلك ليزيد الحسرةَ في قلبِ عمّه "عبد الحميد"!.
حبَست "زبيدة" في سرِّها الأقاويل الّتي وردت أقصى الولاية وحتّى كلّها.. لكنّ فكرة لَمَعت في لبِّها: نادت "ياقوت" حصانها الأسود العجيب وكلَّمته:"مِن اللّحظة هذه يا عزيزي "ياقوت" أنا أُدعى "حبيب"، وسنسافر معًا إلى قصر عمّي "عبد المجيد".. سنقيم في بيت قريب من مزرعة الخيول وستساعدني في مهمّتي، أَليّس كذلك؟". أومأ "ياقوت" برأسه وهزّ ذيله الأملس الطّويل وقالَ: "نعم، يا "زبيدة"، آه، أقصد يا "حبيب" فأنا صديقك ومعاونكِ وكاتمُ سّرك"..
كان "ياقوت" حصانًا يختلف عن بني جنسه فهو يفهم لغة البشر ويتحدّثها بطلاقة فقط  مع صاحبته "زبيدة".
قُصَّةُ شَعرٍ تسقط على مُقدِّمة رأسه تضفي تَميّزاً على ملامحه،كان لَمَّاحًا وجموحًا مع الآخرين..

صمَّمت "زبيدة " أن تلقِّن "كمال" درسًا، فقّررت أَن تتخَفّى بصورة شابٍ، ليتسنّى لها أن تتعرّف على ابن عمّها عن كثب..
جاءت "مرجانة" لترافق سيّدتها "زبيدة" في رحلتها الغامضة القادمة ولتساعدها على ترتيب حاجاتها. لمّت "زبيدة" شعرها وأَخفته تحت شَعر قصير مستعار.. رسمت رتوشًا على وجهها لتبدو بملامح رجوليّة.. إرتدت زيَّ فارسٍ وزيّنته بأوسمة ذهبيّة لامعة ثمّ وضعت حزامًا عريضًا على زندها، شبكت فيه سيفًا رفيعًا مرصّعًا بزركشات من الحجارة الكريمة. وانتعلت حذاء ثقيلاً عاليًا.. حاولت "زبيدة" أن تخفي محاسنها قدر المستطاع .. وان تكون ذلك الفارس الشّاب "حبيب".

إمتطى "حبيب" جواده "ياقوت" ورافقته "مرجانة" لتكون على راحته ورعايته.. وودّع الرّكبُ القصّر، تاركين السِّرَّ حبيسًا في قلب "عبد الحميد" وحده.. متّجهين إلى البيتِ القريب من مزرعة الخيول السّوداء..
     هذا البيت كانت تملكه أسرة أمّ "زبيدة"، وقد ورثته الثّانية عن أَهل والدتها.. وحاليًّا وجدته المأوى في مخطّطها هذا.. وهو مبتغى لها لأنّه قريب من مكان تواجد "كمال"- مزرعة الخيول المحبّبة إلى قلبه.
* * *
.. بعدَ سَفرٍ مدّته ساعات، وصلَ "حبيب" مقصدهُ..
إستراحَ الواصلون المتعبون قليلاً، ثمّ بدأت "زبيدة" تتفكّر:" هلَّم يا "ياقوت" اذهب وتجوَّل في المنطقة القريبة منّا وهاتِ الأَخبار".. إنطلق الجوادُ الأسود سريعًا، يجولُ في البساتين القريبة ليرقب النّاس من حوله والأفراد منشغلين في أعمالهم وزراعتهم.. حتّى استوقفته منطقة يُقالُ أنّها "مزرعة الخيول للسيّد كمال".. هزّ "ياقوت" رأسه ورفع حافره الأيمن دلالة على تيقّنه بأنّ هذه البقعة المرجوّة.. وعادَ أَدراجه بلمحِ البصر إلى صديقته "زبيدة" أَو صديقه "حبيب".

دخل صديقنا الفارسُ متأنّقًا على جواده ذي القُصَّةِ المنسدلة مزرعة شاسعة مزدانة بأشجارٍ ملّونة على جوانبها بمختلف الثِّمار الفاتحةِ للشّهيّة.
لم يمنعه أَحدٌ من الّدخول، يبدو أنّ هذا اليوم هو يوم احتفال فالمكان مكتظّ بالفرسانِ على خيولهم، بالرِّجال والنّساء يتحدّثون أو يتسامرون أو يجلسون برفقة الأحباب أو العائلة..
"آه هاهي لافتةٌ تشير إلى الحدث الهام:" كلّ عام والسّيِّد كمال بألف خير".. إنّه عيد ميلاد ابن عمِّي كمال، ذلك الشّاب الوسيم والّذي يتوسّط الجموع الكثيرة"، قالت "زبيدة" في سرِّها ووقفت تتأمّل الحضورَ وبهرجة المكان والزّينة والأَزياء وكلّ الأضواء.. وتلتقي عيناها بعينيه فيشير المحتفى به "كمال" بأن تقترب..
يترجَّل "حبيب" وعن جواده ينزل ويدنو بقامة منتصبة ممشوقةٍ.. يمدّ كفّه مسلِّمًا على "كمال" وبصوت واثق وجهوريّ يقول:"عمتم مساءً، كلّ عام وحضرتكم بصحّة وسلامة". فيجيب "كمال" بتعجّب:" أَهلاً وأنت بخير"، وينظر لهذا الغريب الوسيم إنّه يكادُ يفوقه وسامة، "عفواً ، مَن أَنتَ ؟ لم أركَ في منطقتنا من ذي قبل؟!".
-"أنا "حبيب"، زائرٌ جديد قدمت من رحلة بعيدةٍ منذ يومين".
- قدمتَ أَهلاً ووطئتَ سهلاً، أَنا "كمال"- صاحب هذه المزرعة الكبيرة، تعال تفضّل شاركنا جلستنا وأمسيتنا".

هلَّ الفجرُ و"كمال" جالسٌ يتبادل ُ أَطرافَ الحديث مع "حبيب".. السّكونُ يخيِّم على المكان وتختلج فيه سقسقات ُ مجموعة من العصافير..
… وبعد حين،
-"أستأذنك الآن يا سيدِّ "كمال" فأنا متعبٌ وأريد أن أعودَ لأنام قليلاً، لقد سررتُ لاستضافتك لي.. وتصبح على خير".
-"حسنا، أتمنّى لكَ أَحلامًا سعيدة، سنتابع أَحاديثنا لاحقًا.. فلدينا مواضيع كثيرة نتشارك فيها غير موضوعنا اليوم حول قوانين الهندسة والحساب".
لم يغمض ل"زيبدة" جَفنٌ فهي محتارة فيما سيأتي..
وهناك "كمال" يتساءَل ويسائل ُ "يقظان" عن ذلك الغريب صاحب الحضور المتألّق.. تراه مِن أين جاء؟!.

عند الظّهيرة قُرعَ بابُ بيت "حبيب".. وأَقبلت "مرجانة" إلى سيّدها أو سيدّتها وهي تحمل في يدها ورقة فاخرة مطوّية.
- ما الخَطبُ يا "مرجانة"؟
- عفوًا يا سيّدتي، إنّها دعوة لك استلمتها من رسولٍ من عند السّيّد "كمال"، يدعوك فيها لزيارة المزرعة وتناول وجبة العشاء.
.. فتحت "زبيدة" الورقة الذّهبيّة وجالت مقلتاها فيها، إبتسمت شفتاها وقالت: "حتماً سيرافقني "ياقوت" في مشواري هذا.

بين أَشجار النّارنج واللّيمون وعلى أَنوار الشّموع جلسَ "حبيب" يتناول الحساء وإلى جانبه "كمال" ويرافقه "يقظان" والّذي لم ينزل عينيه عنه وهو يتأمّله ويصبّ نظراته في حركاته.. شياكةُ "حبيب" كانت ملفتة للنّظر وملامحه البريئة الوسيمة كانت محطًّا للأَنظار، أمّا سلوكه على المائدة فقد زاده سحرًا وزادت مَن حوله استغرابًا: كانَ يرفع ملعقته بنعومة وفيها قليل من الحساء لينسابَ ما فيها وينزلق في فمه.. وتجلّى إتقانه لآداب المائدة بكلّ خفّة ومهارة حين تناول مع الحاضرين وجبة دسمة من الحَمام المشويِّ والفريك من دون أن يترك الشّوكة والسّكين. وبعدها تذوَّق أصنافًا متنوّعة من الحلوّيات الشّرقيّة.. أمّا حديثه ونقاشه فقد كان ينمّ عن اطّلاع ومعرفة..
..إنتهت السّهرة و"كمال" مُصرّ على أنّ "حبيبًا" سيغدو صديقه القريب.. حيّاهُ "حبيب" ببسمةٍ وبصهيل من جواده المسرع..

بَيْدَ أنّ "يقظان" كان في حيرة وتأمّل.. فتصرّفات الضّيف لم تَرُق كلّها له وقرّر أن يفصح لسيّده عمّا اختلج في نفسه.. تفكّر "كمال" في كلمات "يقظان" وقال:"ولكن، كيف سنتأكّد من ظنونك هذه؟.
- يا سيّدي ، سنجري اختبارًا ما.. وستتأكّد فرضيّتي .
- أجل ، ولكن فلتفكِّر جيّدًا في الامتحان.
* * *
بينَ اسطبلات الخيول كانَ "ياقوت" يتمايل بين الأّغصان المتهدّلة ويرقب ما حوله من خضرة وألوان.. ريثما ينهي "حبيب" حلّ مسألةٍ حسابيّة لقّنها له "كمال"، وهو على هذه الحال.. لمح "يقظان" يركضُ متسارعًا نحو السّاقية الصّغيرة الّتي تقع على مقربة من الطّاحونة حيث كان "كمال" واقفًا يطعم أَحد خيوله قطعًا من السّكّر.
- ما بالك يا "يقظان" مُقبِلٌ عليَّ منشرحَ الصّدر؟!
- أَبشِر، يا سيدِّي فقد وجدتها.
- ما هي هذه الّتي وجدتَها؟
- إنّها الفكرة الّتي ستؤكّد ظنوني.. إنّه الامتحان، يا سيّد "كمال" .
- هُش.. ش.. هش، أَخفض صوتكَ يا "يقظان".. تكلَّم وأنا سأُصغي.
- يا سيّدي، سندعو المسمَّى "حبيب" إلى رحلة جبليّة هناك إلى الجبلِ المجاور.. سننصبُ خيمتين، واحدةٌ لسيادتكم والأخرى للسيّد "حبيب".. نجّهزهما بكلّ مستلزمات الرّاحة والأمان وسنضع تحت الفِراش- تحتَ فِراش السيّد حبيب وردًا جوريًّا أحمر.. سنوزِّع كيسًا كبيرًا من الجوريّ الأحمر تحت فِراش السّرير في خيمته، سينامُ السيّد نومًا هنيئًا وهادئًا.. وعند تغريد الصّباح سيصحو. ونحن سنفحص الجوريّ سرًّا، فإن غدا ذبلانًا يكون السّيّد "حبيب" امرأةً. أمّا إن بقي الجوريّ متفتّحًا فإنّه حقّاً الرّجل "حبيب". وهكذا تنتهي حيرتي من تصّرفاته ومن أساليب لباقته الغريبة.
- حسناً يا "يقظان" سأوافقك في خطّتك هذه.. إنصرف الآن ليتابع كلّ واحدٍ منّا شؤونه.

قفزت حوافر "ياقوت" تتواثب زائغة تجاه "حبيب".. ليسرد على صديقه ما سمعته أذناه.. حينها، كانت ابتسامة حبيب تملأ وجهه لأنّه حلَّ المسألة الحسابيّة المعقدة.
* * *
دخلت "زبيدة" بيتها وهي متأهبّة لقبول الدّعوة للرّحلة الّتي ستكون خلال أيّام..

وصل المسافرون إلى الجبل العالي مساءً حين كانت الحرارة هناك ممتزجة بطراوة رطبة.. والمستراح من الخيمتين كان خلف شجرة كبيرة وارفة الظلال.
     رتّبت "مرجانة" أكياساً ملأتها بالجوريّ المتفتّح الأحمر بدّلت فيه الجوريّ الذّبلان بعد أن استفاقت
سيّدتها "زبيدة" على أنغام قصب النّاي فجرًا.
.. خرج "حبيب" من الخيمة برفقة "مرجانة" وقد ارتسمت على ملامحه سذاجة فاتنة أّضفت حيرة أخرى على النّظرات الزّائغة من "كمال" ومستشاره "يقظان"، ذلك الّذي لم يصدِّق عينيه حين أبصرتا تحت الفِراش وردًا مُشرقًا، نضارته تكادُ تفوق احمرار ورد حدائق قصر السّيّد "كمال"..
* * *
تسرَّب الشّكّ لقلب "كمال" الّذي وجد نفسه يتعلَّق بالصّديق الجديد "حبيب". فها هو  يطلب مرافقته في رحلاته ومشاويره، يمارس معه هواياته وألعابه.. حيث أنّ رقّته كانت تأسر القلوب وحنوّه على الناس ومساعدته لجيرانه كلّها أعمال جعلته محبوبًا حتّى من الحيوانات القريبة.. و"كمال" يتذكّر يوم امتنع "حبيب" عن صيد الظّباء الغريرة وفضّل أن ينامَ دون عشاء حين داعب الكرى جفونه، أو ذلك اليوم الّذي مرَّ به "حبيب" فوق جواده الأدهم ولاحظ "كمال" أنّ العنّاب كان يتراقص وأوراق الأشجـار تبتسم مخضوضرة لاقترابه منها.
-ترى ما سرّ الرّقّة والعذوبة في شخص "حبيب"؟ وهل شكوك "يقظان" فيها شيء من الصّحّة؟، سأفكّر في خطّة  أخرى أكثر مصداقيّة للكشف عن الحقيقة!!.
.. لم يبرح "كمال" مكانه إلى أن أتاهُ "يقظان" بعد ان استدعاه ليستشيره في خاطرٍ في باله..
- "……….." .
- هه، يا مستشاري، ما رأيك؟.
مشّط "يقظان" لحيته البيضاء بأصابعه دليل استحسان الفكرة، وقال: "نعم يا سيّدي إنّ سباق الخيل هو الحلّ الأمثل، فالفارس المقدام هو من يخوض سباقًا في أرضٍ متعرّجة ملتفّة وصعبة.. إنّ اقتراحك هذا حقّاً لصائب".

إمتطى "حبيب" جواده الأمين وانتقى "كمال" أفضل الخيول العربيّة عنده.. وأُعلِنت شارة البدء بالسبّاق.. كانت الطّريق وعرةً، جلفةً وصعبة لكنّ قدرة "ياقوت" عجيبة وسرعته لا تضاهى.. ها هو "حبيب" يقطع مسافة السّباق بسرعة تفوق الفارس "كمال" وفرسه السّريعة.
.. ويبدو "حبيب" من بعيدٍ جريئًا واثقًا يقترب من خطّ النّهاية لتعلن النتيجة: الفوزُ للفارس المقدام وحصانه الأسود ذي القصّة الطّويلة "ياقوت".
* * *
إعجاب "كمال" ب"حبيب" كان ينمو تدريجيًّا ويزيد، رغم أنّه تفاجأ وذُهل حين خسر السّباق وكانت الغلبة لصديقه الغامض. وعلى الرغم من ذلك فإنّ هناك مناديًا في قلبه كان يهتف له بأن يكون قريبًا من "حبيب".. هو يطمئنّ لقربه وتشرق الدّنيا في محيّاه حين يلمح طيفه أو يراه مقبلاً نحوه.

أمّا "زبيدة" فلم تعد تقوى على تحمّل نار اللّوعة في أحشائها. ولم تعد تتمالك نفسها فهي الآن تتوق أكثر لمحاولات "كمال" في مخالستها الكلام وهو يظنّ بأنّها "حبيب".. أو حين يجادلها في مسألة أو يحادثها عن مغامرات له في طفولته وصباه، أو عندما كان يصطحبها في رحلة نهرّية في القارب الشّراعيّ الصّغير ويقوم بمجاراتها في عمليّة التّجديف.
* * *
بعد أرَق شديد وتعب جسديّ أكبر، قرّر "كمال" أن يختبر "حبيبًا" آخِر اختبار.. فإحساسه الباطن لا يمكن أن يخيب.. هل هو حقًّا يحبّ رجلاً ؟!..
-"نعم. هل أنا أعشق رجلاً، لا يمكنني ذلك، إلاّ إن كنتُ.. إِن كنتُ منحرِفًا، لا، لا لن أشكَّ في نفسي.. سأتأكّد حتمًا، سأتأكّد".

اليوم ستجري مبارزة سيوف على الخيل بين السيِّدين "كمال" وصديقه "حبيب"، لن يكون هناك جمهورٌ ولا زوّارٌ والمكانُ المقرّر لهذه المبارزة سيكون مزرعة الخيول.
.. وَضَع كلّ فارس قناعًا معدنيًّا يخفي وجهه ولا يظهر منه إلاّ عيناه..
    حَمِي الوطيس بين الفارسَين.. والحَكمُ كان "يقظان" الّذي استفحلت فيه الرّهبة لرؤية اندفاع المتنافسَين اليقظين وحدّتهما في المبارزة.. ولا يُسمعُ في المكان إلاّ صليل السّيوف ووَقْعُ حوافر الخيول.. والمزاوجة بين الأَصوات وتنهّدات المتنافسَين.
-"يظهر أنّه لن يكون هناك غالبٌ ولا مغلوبٌ في هذا الامتحان": هذا ما قاله الحَكَم في سرِّه.. لكن.. وفجأة يفقد "حبيب" توازنه، ينزلق السّيف من بين أَصابعه ويسقط عن "ياقوت" أَرضًا، فيجمح الحصان ويصهل عاليًا..
ويهرع "كمال" نازلاً عن جواده، يرمي قناعه والغرغرة في حنجرته:" حبيب، حبيب.. ما بك يا حبيبي" ويركض نحوه.. وبيديه يرفع القناع.
.. يخيمّ صمت رهيب للحظات.. فيها تهبّ نسمات تلاعب الأغصان وتطيِّرُ الخصلات المتهدّلة على وجه مغمضة العينين.. ولا تستفيق إلاّ مِن قُبلة طويلة في شفتيها..
-"حبيبتي، مَن أنتِ؟.. لا تتركيني أَرجوكِ".
.. تُذرَف عبراتُ الملائكة من مقلتيها..

وبعد طُول خصام ٍ تنفرجُ الأسارير وتعلو الضّحكات في بيت الأَخوين الكبير.. يتعانق "عبد الحميد" و"عبد المجيد".. تتصافى القلوب وترنّ الأفراح صاخبة وتصدح التّغاريد فقد تآلف الحبيبان وانتشيا صبابة..
* * *
.. وهكذا يتزاوج القلبان.. ويضحى البكاء صفحة من النّسيان..
* * *
"وتوتة توتة خِلْصَت الحدّوتة "مَن سينتصر؟!".. حلوة ولْلاَ ملتوتَة ؟!" ( 12/2002).

تعليقات

اكتب تعليقك
الاسم:ضيف
العنوان:
BBCode:Web AddressEmail AddressLoad Image from WebBold TextItalic TextUnderlined TextQuoteCodeOpen ListList ItemClose List
الفحوى:



 
التالى >

 
 

موقع الألعاب العربي ، موقع الصور العربية ، البوم العرب ، غزالين.نت، اذا أحببت الآخرين