الحكاية الثّالثة:
                                      "صَمْتُ ألكَلْبِ الأسْوَدِ"
حدَّثَتْني جدَّتي "موفادَّت"، قالت: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، عن جدَّتي خالة أَبي "نوريَّة" رحمَها الله، حَكَت لَنَا في جلسة لأسرتِنَا في بيتِ العائلة، إنّه:
"في غابِر الأَزمان ِعاشَ الّناس على مختلفِ أَجناسهم وأَلوانِهم [ربمَّا هناك منهم اليوم أيضًاً] وهم يُدْركونَ أنَّ عالَمَهُم ليسَ هو الكون الوحيد.. بل أنَّ هناكَ عالمًاً آخر بعيدًا جدًّا يختلف عن مَسْكنِ البَشَرِ، هو عالَمٌ يَخُصُّ الجَانَ والسِّحْرَ والعَجَب.. له قوانين خاصَّة لا تُشَابِه ما نحْيَاهُ على اليابِسةِ كَإنْسٍ وَبَشَر. ودَعَّمَ هذا الاعتقاد عُلَمَاء ومُفكِّرون.. وبالغ فيه بأقاويل سَحَرَةٌ وعرَّافون وكذلكَ المشعوذون.. فكانَ الإنسان في كلِّ أَرجاءِ العالَم يؤمِنُ بأنّ في الآخِرَة دنيا جديدة - هي سَرْمَدٌ يَسْكُنُهُ الإنسُ والجانُ، فيهِ الجَنَّةُ الّتي يفوزُ فيها الطّيِّبُ والصَّالح ليرافقَ الملائكةَ هناكَ ويأنسَ معهم. وفيهِ جهنَّم جزاء المُسِيئين ليَحْيا فيها الإنسانُ الضّال مع الشَّياطين ملائكة الشَّرِّ ومريدي الوِسْواسِ الخنَّاس.. وقد كانَ الجَانُ على نَوْعيْهما - الخَيِّر والشِّرير- يَتنَقَّلُونَ بينَ عَالَمِ ألإنسانِ وعالمهم- عالم الجــان فَلَهُم قُدُرات خاصَّة عجيبة ومهارات خارقة تَفُوقُ ما لدى الإنسانِ بملايينِ المَرَّات.. فيَرْتَادُونَ العَالَمَيْنِ بكلِّ سُهُولَةٍ وَذكَاءٍ بمُخْتَلَفِ الصُّوَر..

: وهاكُم حكايةً أُورِدها على مَسَامِعِكم/نّ علَّها تلْقَى الإعجابَ على اختلافِ الأمُورِ فيها مِن غرابَةٍ وعَجَب:
يحكى أنّه عاش في إحدى ضواحي أَنجاد الأَناضول المعروفة بقّلة الأَمطار، رجلٌ مقتدِرُ الحالِ يدعى "نجم الدّين"، كان صاحب منجم فحمٍ حجريّ.. عمل فيه عشرات الأشخاص لاستخراج الفحم والنّحاس والمعادن الثّمينة أيضًا.. كان "نجم الدّين" إنسانًا متواضعًا.. يحترم عُمّاله ويفيهم أَجورهم الّتي يستحقّونها في كلِّ أسبوع ويحرص على العدل فيما بينهم.
     تزَوَّج " نجم الدّين" من فتاةِ أَحلامه الّتي خفق لها قلبه من أَوّل نظرة.. فقد كانت حبيبته وزوجته "نجدت" (أيّ النّجدة) إضافة إلى جمالها الخَلْقي تتمتَّعُ بجمالٍ خُلُقي.. فقد حباها الله بحلاوة الصّورة فنعمت بعينين سوداوين مكحَّلَتين وبأَهدابٍ غزيرةٍ تزيد من السِّحر في لحاظها، أنفها صغير كحبَّة الفستق ومَبْسَمها كرزيّ متألِّق، شعرها متهدِّل بلون الخرّوب.. وخصلات منه تزيِّن البشرة البيضاء المنيرة وقدُّها غزلانيّ فاتن.. تحلَّت "نجدت" أيضًا بطبعٍ جيد.. فقد كانت تحترم نفسها كونها امرأة تكمل الرّجل.. ولها الحقّ في القرار والعمل فكانت تساعد زوجها في تنظيم ميزانيّة البيت والعمل من مدخولات ومصروفات، كذلك فقد عاملت مَنْ خدمها في بيت الزوجيّة من معاونين ومساعدين بلطف وإنصاف دون أن تضايق أحدهم بكلمة جارحة قد تُنْقِص من كرامته عند التّطرّق لموضوع فئات المجتمع وطبقاته المختلفة..
* * *                    
عاشَ الزّوجان المتعاونان والسّعيدان بِسِعَةٍ وخير دائم في بيت واسع وبمساحة شاسعة..تحيطهُ خضرة الأشجار وسحر الطّبيعة من ألوان وروائع عطرة.. وتَزَيَّن البيت بردهات فسيحَة وبأقواسٍ عاليات من الرّخام الأبيض.. بالإضافة إلى بِرَك الماء الصغّيرة التّي تضفي على البناء سكينة وأَلَقًا.. الأثَاثُ مريحٌ بألوان زاهية وشرفات الغرف واسعات وكبيرة تتيح لأشعّة الشّمس الولوجَ لقلب البيت لتزيد الدفء والحميميّة على الزّوجين وعلى مَن في البيتِ من عاملينَ وعاملات.
كانت عيشة الزّوجين محطّ أنظار سكّان المنطقة، فقد عَهِدَهم الجميع مثالاً للمحبَّة والتّفاني..
* * *                    
مرّت الأياّم حبلى.. وشاء الله أن يمتحن "نجدت" و"نجم الدّين".. والامتحان كان صعباً، فقد حُرِمَت الزّوجة
"نجدت" من نعمة الإنجاب! رضي الزّوجان بحكم الله لكنّهما لم يفقدا الأمل.. وكانت "نجدت" قد صرَّحت لزوجها بأنّها ستتفهّم الوضع جيّدًا لو قررّ "نجم الدّين" في يوم ما أن يتزوّج  بامرأةٍ أخرى تمنحه نعمة الأبوّة لتلد له ابنًا أو ابنة.. ليحمل المولود اسمه ويغدو الوريث لأموال والديه وعقاراتهما.. لكنَّ "نجم الدّين" أَحبَّ زوجته كثيرًا ولم يرضَ عنها بديلاً.. ودائمًا يحاول التّخفيف من حزنها فهي لا ذنب لها بمشيئة الله تعالى.. وليصبرا فحتمًا سيكون الفرج قريبًا.
مرَّت الأيَّام والشّهور وانشغل "نجم الدّين" بسفريّات قريبة وبعيدة تهدف إلى توسيع أعماله في عدّة مناجم جديدة..
وكانت "نجدت" تقضي أَوقاتها في حديقة المنزل تنشغِل بالتّطريز والحياكة، أو تجلس قبالة إحدى شرفات البيت المطلَّة على مشاهد الأشجار والورود وأعشاش العصافير المغرِّدة.. ترتشف فنجان الشّاي بالنّعناع.. أو تحتسي فنجان القهوة المحلاّة بالسّكّر.
* * *                    
وحدث في أحَد الأيّام أن جلست "نجدت" مثلما اعتادت دائماً -على الأريكة البنفسجيّة القريبة من الشّرفة العالية الّتي تطلّ على المساحة الّتي تعرِّش فيها أزهار الياسمين وشتلات الحبق.. تناولت فنجان الشّاي السّاخن لترشفه على مهلٍ في هذه الظّهيرة الهادئة.. فإذ بها تلمح قبالتها كلبًا متوسِّط الحجم شديد السّواد، تلتمع عيناهُ ببريق شديد ينظر إليها وكأنّه يراقبها.. نظرت "نجدت" إلى هذا الكائن الجميل والتفتت إلى كلّ الاتّجاهات فلم تَرَ صاحبه، تعَجّبت لأنّ الكلب لا يبرح المكان ليبحث عن مُرَافِقه..
     تتالت الأيّام .. والزّائر الأسود الصّغير يأتي في موعده في ساعات الظّهيرة كلَّ يوم دون تأخير أو غياب ينطّ ليجلس قبالة الشّرفة حيث تجلس سيِّدة المنزل.. ولا يترك المكان إلاّ حينما تغادر "نجــدت" مجلسها.. مع مرور الوقت نشأت أُلْفَة بين "نجدت" وهذا الكلب الأسود أملس الشّعر.. فغدت "نجدت" تحادثه وتكلِّمه.. وهو يومِئ لها برأسه وكأنّه مُدرِكٌ للكلام الّذي يسمع!
    كان "نجم الدِّين" عالِمًا بكلِّ ما يحصل بين الكلب الغريب الأسود وزوجته الّتي كانت تخبره بكلِّ ما يجري معها عند الشّرفة.. لهذا فقد وجَد الزّوج بأنّ هذا الكلب  جاء ليملأ وحدة "نجدت"عندما يكون غائبًا في عمله.. لكنَّ "نجدت" نسيت أو تناست أن تُعْلِم زوجها بأنّها تجّرأت في أحد الأوقات أن تقول لصديقها الكلب بأنّه:" ندرًا عليَّ يا عزيزي، والله شاهدٌ على ما أقول بأنّه إذا استجابَ عزّ وجلَّ لصلواتي وأنجبتُ مولودًا صغيرًا.. فإن كان المولودُ بنتًا فإنّني سأجعلها زوجةً لكَ!"..
.. وشاءت الأقدار بأن تزفَّ للزّوجين الصّبورين بشرى سارّة لطالما انتظراها.. حَمَلت "نجدت" جنينًا في أحشائها .. وكانت بوادرُ الحمل تظهر عليها تدريجيًّا ليزداد كِبَرُ بطنِها..
أمّا الزّائرُ الأسود فلم يَغِب عن موعده في ظهيرة كلّ يوم.. وكأنّه أيضًا يلازِم سيِّدة المنزل في فترة حَمْلِها هذه!
     مرَّت أشهر الحمل وانقضَت.. ووضعت  "نجدت" مولودتها البِكر الّتي تقول : " غِب يا قمر غِب، حتّى أحلّ محلّك دون رقيب!".
أقيمت الأفراحُ والمآدب الّتي حضرها جميع سكّان ضاحية الأناضول هذه وكلّ الأصدقاء والأقارب من مناطق قريبة وبعيدة أيضًا، كلّهم احتفلوا بولادة الصّغيرة "درِّية" (أيّ الدّرَّة- الجوهرة المكنونة).
* * *                    
ترعرعت "درّيّة" في كنف والديها بدلالٍ وعزٍّ.. حتّى غدت زهرة يانعة ناعمة وجميلة.. فيها حلاوة الشّكل والرّوح، لها عينان واسعتان خضراوان وأنف صغير.. والشّفاه ورديّة والشّعر كستنائيّ متموِّج .. أمّا البشرة فَرَقيقةٌ وملساء.. وقوامها نحيف وممشوق..
صار عمرها ستَّةَ عشر عامًا مهذّبة وخلوقة تتعَلَّم من أَبويها أسلوبَ التّعامل والتّصرف وهدوء الطّبع والخِصالِ الحميدة..
كانت "درّيّة" تلحظ الكلَب الأسود، رفيق َ الأسرة الدائم.. ذاكَ الّذي حرص على مداومة الزّيارة عند شرفة البيت.
* * *                    
حلَّ الرَّبيع على الأسرة السّعيدة ، فأضفى الفصل زركشات ملوّنة وبهيجَة على البيت الواسع ..
ذاتَ ليلة جاء هاتف في مَنَام "نجدت" هتف بها: أن تفي بِنِدْرها.. فها هو الله قد استجابَ لدعائها وصلاتها فأَضحت أُمًّاً وأصبح زوجها أَبًا.. ولم يعد ينقصها أيّ شيء.. إستفاقت "نجدت" من نومها منزعجة، لكنّها أخفت شعورها هذا عن زوجها وشريك حياتها.. وتجاهلت الأَمر حينها. لكنّ تناسيها هذا لم يَدُم طويلاً.. ففي صباح اليوم التّالي قُرِع جرسُ البابِ.. فتح الخادمُ باب المنزل وكم كانت دهشة الزّوجين "نجدت" و"نجم الدّين" كبيرة عندما أَبصرا بأنّ الطّارق هو الكلب الأسود- رفيق الأسرة..
دخل الكلبُ وهو يحمل في فمه رسالة مطويّة.. وتدلَّت من عنقه سلسلة يتوسّطها صندوق متوسِّط الحجم بنيُّ اللّون مُصَدَّف. تناولَ "نجم الدِّين" الورقة المطويَّة، فتحها وقرأ ما وَرَدَ فيها: " أرجو أن تَفِي بوعدِك ليرضى الله عنكِ، إنّ الكلبَ موجود هنا والمَهْرُ في الصّندوق المصدَّف".. إزدادت دهشة "نجم الدِّين" الّذي لم ينطق بأيِّ كلمة..أَمّا  "نجدت" الّتي وقفت بجانب زوجها حينما تناوَل الرّسالة وكانت على مرأى من الكلمات المكتوبة فيها فقد ذهِلَت وتمالكت أَعصابها، ثمّ طلبت من زوجها أن يستريحَ على الكنبةِ القريبة ليتسَنَّى لهما التقاطَ أنفاسهما واستيعاب ما يجري لهما.. عندها شرحت "نجدت" لزوجها باكيَةً ما حَصَلَ لها وما نَذَرَت له حينما كانت حزينة ولم تَجِد لها ونيسًاً عند غيابِ حبيبها..
      تفهمَّ  "نجم الديِّن" تصّرفات زوجته، حضَنَها ليخفِّف من ألمها مع أنّه كان هو الآخَرُ متأثّرًا جدًّا لما قد يحصل من عواقب.. إلاّ أنّه استجمع شجاعته.. ونظر ناحية الكلب السّاكن الّذي لا يزال واقفًا في مكانه، إقترب منه.. تناوَل الصنّدوق الخشبيِّ المصدَّف، فتحه ليرى فيه العجبَ العجابَ مِن معادن ثمينة وأحجار كريمة وسلاسل ذهبيَّة وماسيّة..
سَالَت دموع "نجدت" دون توقّف.. وقالت في كلمات متقطّعَة: "إنّه مهُر ابنتنا، إنّ الصندوق فيه مهر ابنتنا "درّيّة".. آه ولكن ماذا عسانا نفعل؟!"، وما أن انتهت "نجدت" من كلماتها تلك.. حتّى اختفى الكلبُ فجأة.. ولم يصدّق الزّوجان الحاصِلَ أمامهما.. حتّى أنّهما لم يناما في تلك الليّلة ليتفكّرا فيما سيفعلان!.."حقًّّا إنّ القرار صعبٌ لكنّ الإخلالَ بالوعدِ أَصعب!".

مرَّت ثلاثة أيّام طِوال فيها كان الزّوجان يصليّان ويتفكّران في قرارٍ يريحهما.. "ما هي قصّة هذا الكلب الّذي لم يفارقهما؟.. كيف سيتركان وحيدتهما لترحل مع هذا الكائن الغريب؟.. وإن تركاها ترحل معه فكيف سيكون التّفاهم بينهما؟ أسئلة كثيرة راودت الأبوين ولم يستطيعا الإجابة عنها؟!.. في النّهاية قرّر الزّوجان أن يلبِّيا نداء ضميرهما وأن يفيا بالنّذر الّذي قطعته "نجدت" على نفسها رغم كلّ الظّروف..
جاءَ اليومُ الموعود الّذي انتظره الكلبُ ذو العينين البّراقتين.. وجهزّت "نجدت" حاجيات ابنتها من ملابسَ ولوازم خاصة قد تحتاجها في رحلتها.. بعد أن جلست هي وزوجها مع "درّيّة" وأفهماها القصّة العجيبة.. وأنّ ما باليدّ حيلة إلاّ الانصياع لهذا المجهول الغريب.. وافقت "درّيّة" من دون قيدٍ أو شرط.. ثمَّ أَوصى الوالدان الكلبَ بأن ينتبه لصاحبته "درّيّة" وأن يحرص عليها فهي غاليتهما.. وأن يهتمَّ بأن تأتي "درّيّة" لزيارتهما مرّة كلّ شهر.. أَومأَ الكلب برأسه موافقًا، ثمّ اصطحب "زوجته" يرافقهما رسولٌ  من البيت..
خرجت "درّيّة" حزينة بعد أن ودَّعت والديها الباكيين ومشت مع الكلب الأسود والمرافق الأَمين.. وَصَل الثّلاثة إلى خارج حدود الضّاحية.. عندها هزَّ الكلب رأسه مخاطِبًا الخادم الّذي معهما لأن يعود أدراجه إلى حيث بيت "نجم الدّين" وهكذا انصاع الخادم لإشارة الكلب عائدًا من حيث أتى. أمّا الكلب فقد أكمل مسيرته قُدُمًا برفقة الجميلة "درّيّة".. ثمَّ توقّف فجأة في منطقة لا أحد فيها.. خالية إلاَّ من أعشاب صغيرة وشجيرات قليلة.. ودعا "درّية" لتركبَ على ظهره وهكذا فَعَلَت.. ويا للعجب! ظهر للكلب الأسود جناحانِ كبيران طار بهما عاليًا و"دريّة" على ظهره مذهولة ومستغربة..
حلَّ الظّلام وتلألأت النّجوم في السّماء.. ونزل من العلا إلى قصر يقع على قوسِ الغمام.. أَبيضَ اللّون ناصع، مخروطيّ الشّكل تزيِّنُهُ ألوان من الحجارة الكريمة، مثل: الياقوتِ والفيروز والجاد الأَخضر حتّى كأنّها تبدو للنّاظرِ نجومًا معلّقة عليه.. ويتَغَلَّفُ بناءُ القصر بطبقات عشوائية من الغيوم الصَّافية ليظهَر متوسِّطًا السمَّاء العالية.
تُفْتَحُ بَّوابة القصر الزّرقاء السَّماويّة على مصراعيها.. ويدخل الكلبُ و"درِّيّة" على ظهرهِ تظنُّ أنَّها في عالمٍ من خيال.. ويكون في استقبال الكلب حاشية كبيرة من مسؤولين ومساعدين بالإضافة إلى الخدم والحشم.. وكل فئة
منهم ترتدي زيًّا موحّدًا غريبًا ومميّزًا..
لم تستطع "درّيّة" أن تستوعب كلّ ما كانت تراهُ.. لهول ما رأت من أمور لا يصدِّقها العقل البشريّ‍.. ومنثورُ الورد الجوريّ يَنْسابُ على أَرضيَّات السَّاحات والباحات في القصر.. يَصِلُ الكلبُ إلى مُنتصَفِ السَّاحةِ الدَّائريَّةِ الكبيرة.. ويتوقّف ليضمَّ جناحَيْهِ فيختفيان.. ثمَّ يَبْسُطُ رِجْلَيْهِ الأماميّتين فَتَنْزِلُ "درِّيّة" عن ظهره.. وهي تَلْتَفِتُ إِليهِ فيلاطِفُ ساقَيْها برأسِهِ ثمَّ يدعوها لتدخُلَ معه إلى الغرف المخصَّصة لهما‍‍!..
     تَنْبَهِرُ " درّيَّةُ " لما تراهُ عيناها من جَمالٍ أخَّاذٍ ونَعِيمٍ كثيرٍ وكثير.. الكلُّ في القصر يَسْهَرُ على راحَتهــا
ويطلبُ رضاها، يحيطها العبيد والخَدَم.. والكلب "زوجها" يلازمها ولا يَبْعُدُ عنها.. ملابسها الّتي ترتديها منسوجة من غريب القماش وأَجوده.. تُزِّين أثوابها خيوط الفضّة والذّهب والزّركشات الماسيّة والثمّينة.. أَحذيتها مريحة وغريبة.. أمّا فساتين نومها فقد صُنِعَت من الحرائِرِ الشّفافة والنّاعمة.. والحليُّ كثيرةٌ بتصاميم فريدة ونادرة. أمّا غرفها فواسعة وزاهية الألوان، تتناثر فيها العطور وتَتَزَّينُ أرقُّ الورودِ نوعًا على جدرانها والياسمين يتعربشُ على زوايا شبابيكها.. والأثاث مشغولٌ بإتقان.. والأسِرَّة نحاسيّة وعاليات، أغطيتها من ريش الطّيور والإوز والمخدّات من ريش الّنّعام.. تتهدَّلُ الشّراشف المخمليّة والقرمزيّة عليها.. والنّاموسيّات تنسدلُ بانسيابيّة على أعمدة السّرير الواحد..
     إعتادت "درّيّة" الحياة الرّغيدة في القصر البعيد.. وكانت تحدِّث والديها عن سعادتها كلمّا زارتهما في الضّاحَية.. فقد كان الكلب يقوم بإيصالها مرّة كلِّ شهر بالطّريقة الّتي نقلها فيها إلى القصر.. ويعود هو وحده ليتركها بصحبة والديها بعضَ الوقت.. ثمَّ يعود ليصطحبها معه إلى بيتهما..
* * *                    
تعجَّبت "نجدت" عندما علمت بأنّ ابنتها "درِّيّة" لا ترى إلاَّ العاملينَ في القصر والكلب رفيقها الوحيد.. وقالت لها متسائلة: "إنّ في الأمر سرَّا ما فأنت يا ابنتي تعيشين على هذه الحال منذ أكثر من خمسة شهورٍ وبوادر الحمل تظهر عليكِ! كيف ذلك وأنتِ تنامين في السّرير وحدك دون شريك؟!"… تذكّرت "درِّيّة" فجأة.. وقالت لأمّها القلقة: "لا أدري يا أميّ ما الّذي يحصل حقًّا؟ ولكنّني َدخل سريري كلّ ليلةٍ فيأتيني العبد "مسرور" بكوبٍ من الحليب، أَشربه.. ولا أَصحو إلاَّ على أَصوات تغريد البلابل صباحًا!".
.. "آه حسنًا يا "درِّيّة" إفعلي ما سأقوله لكِ حتَّى تعرفي من هو والد الجنين الّذي تحملينه" قالت الأمّ: "عندما تعودين إلى بيتك مع الكلب الأسود.. تذكّري أن لا تشربي كوبَ الحليب الّذي يقدِّمه لكِ العبد "مسرور" بل دعيه يخرج ثمّ اسكبي الحليب في أصيص البنفسج الّذي يجاور سريرك.. وضعي الكوب مكانه ثمّ تظاهري بالنّوم.. وستعرفين بعدها حتمًا ما الّذي يجري أَثناء اللّيل".
.. قرَّرَت "درِّيّة" أَن تنفِّذَ تعليمات أمِّها في هذا المساء.. فبعد أن خرجت من حمَّامها تمرَّغت بالطِّيب ثـمَّ ارتدت فستان نومها المصنوع من البشتان الأَصفر.. سرَّحت شعرها الطَّويل وتركته منسابًا على كتفيها ثمّ صعدت إلى سريرها.. دَخَلَ العبد "مسرور" يحمل صينيّة من ذهب وكوب الحليب يتوسَّطها.. تناولت "درِّيّة" الكوب بيدها
فانصرفَ العبد مُتَمنِّيًا لسيِّدته نومًا هنيئًا.. وأَقفَلَ وراءهُ بابَ الحجرة.
.. وتظاهرت "دُرّيَّة" بأنّها تغطُّ في نومٍ عميق.. بعد ساعةٍ من الزّمن.. توهَّجَ في المكان المظلم نورٌ ساطع يفقد الأبصار.. وسمعت "النّائمة" صوتًا يقول: "يا مسرور" أَغلِق ستائِرَ الغرفةِ وأَطفِئ الشّموعَ إلاَّ هذه الموضوعة هنا بجانبي، ثمّ اخرج وأوصِد البابَ وراءَك".
-"حاضِر يا مولاي ، تصبح على خير" أَجابَ العبد.
.. كانت "درِّيّة" تحاوِل ملاحظة ما يجري حولها من الضَّوءِ الخافت للشّمعة الوحيدة في المكان.. بُغِتَت عندما أَبصرت شابًّأ غريبًا في غرفتها.. لم تَرَ بحياتها أجمل من محيّاه الوسيم.. فارع الطّول، أنيق اللِّباس.. حَبَاهُ الله بوجهٍ مضيء وعينين سوداوين بّراقتين وشعره أسود وأملس.. برزت عضلاته عندما خَلَعَ سترته المليئة بالنّياشين  وبدَّل ثيابه بأُخرى فضفاضة.. ثمَّ نَفَخَ على الشّمعة ورفع غطاءَ السَّرير ليبسط جسده إلى جانب جَسَدِ "درِّيّة".
     كانت دقَّاتُ قلبِ الزّوجَةِ تتسارعُ وتتقافز.. وهي لا تصدِّق شيئًا حواليها: "مَن هذا الفارسُ الوسيمُ الّذي يستغرق في النوّم ويشاركها السّرير؟!".
.. تلمَّسَت "درِّيّة" موضِعَ الشَّمعة والتقطت معها علبة الثِّقاب وبهدوء ٍ أشعلت الشّمعة بعد  أن حرصت على إمساكها جيّدًا ثمَّ وضعتها بقربها جانب السّرير..
.. سَلَبَ الّنائِمُ في السّرير قلبَ " درِّيّة " الّتي كانت مبهورة بسحرهِ وهيئته.. لامَسَت أَناملها الرّقيقة جبينَه ثمّ تحسَّسَت براحتها خدَّه ثمَّ شفتيهِ.. عنقَهُ.. ثمَّ لاطَفت صَدْره، إنسَلَّت أَناملها لتَتَحسَّسَ بطنَهُ بهدوء.. وفجأَة شعرت بأنَّ شيئًا ما عندَ سُرَّتِهِ.. لامسَتْهُ وتيقّنت بأنّه مفتاح في قَفْلٍ صغير.. كَتَمَت أَنفاسها، إقتربت أَناملها برشاقة من المفتاح مرَّة أخرى.. والأَنفاسُ في المكانِ تعلو وتنبسط، تلمّسَت أَنامل "درِّيّة" المفتاحَ ثمَّ أَدارَتْهُ وهي تمسك بيدها اليسرى الشّمعة المضاءة.. كشفَ القَفْلُ عن سرداب مظلمٍ ومُقْفَل، دفَعَ "درِّيّة" وجذبها إلى داخله لتجِدَ نفسها في فوّهة عميقةٍ تقودها إلى عالم مليء بالألوان والأَضواء.. سارت "درِّيّة" وهي تحمل ُ الشَّمعة لتنير في كلِّ اتجاهِ جانبً خفيًّا من ذلكَ العالمِ العجيب.. أَبصرت "درِّيّة" أَصنافًا كثيرة من البشر منهم الصّغير ومنهم الكبير.. كلٌّ منهمِكٌ في عمله.. إزدحامٌ شديدٌ وهَرْجٌ ومَرْج..
أَنارت الشّمعة صوبَ سوق كبير، إنقادَت إليه "الجميلة".. لتكتَشِفَ بأنَّه سوقُ المجوهرات والمعادن الثّمينة، وجدت هناك الصّاغة والعاملين منهمكينَ بصنع قطع الحلي من أساوِر وعقود وخواتم وقطع ال "ما شاء الله"..
توجّهت إليهم وسألتهم: "ماذا تفعلون؟". أَجابوها: "إنّ ملكَنا ملك الجان قد تزوّج وهو  ينتظِر مولودًا بكرًاً.. ونحن منشغلون بصنعِ هدايا المباركة للعائلة السّعيدة".
ثمَّّ دخَلت "درِّيّة" سوق النّجّارين لتلحظ هناكَ بانَّ كلَّ نجَّارٍ منشَغِلٌ بصُنْعِ قطعة من الأَثاثِ من أَجودِ أنواع الخشب الثّمين: خزائن، أسرَِّة، كراسي، مقاعد وأشكال وألوان.. توجَّهت "درِّيّة" إليهم وسألتهم : "لِمَن تحرصون على إتقان صُنْعِ هذه الأَغراضِ الجميلة؟!". أَجابها الصُّنَّاعُ: "نحنُ نجَهِّزُ أَثاث غرفِ مولودِ ملكنا "نور الدِّين" ملك الجان الذي تزوَّجَ حديثًا وامرأته ستضعُ مولودها قريبًا". تجوَّلت "درِّيّة" في الأسواق المتجاورة لتجد بأنَّ كلّ من فيها من نساء ورجال ومن صغيرٍ وكبير سعيد وفرحان ومشغولٌ أيضًا بتحضير هديّة مميَّزة يقدِّمها للملك "نور الدِّين"- ملك الجان الّذي ينتظر وزوجته مولودًا بكرًا.. فهناك سوق الأقمشة وسوق الحرير، سوق الحّدادين وسوق الطعام وسوق الورود والطّيور.. وغيرها من لوازم الحياة..

أَنارت الشّمعة تجاه طريق العودة..لتُعْلِن ل"درَّية" بأنّه قد حانت لحظة الرّجوع.. إسترجعت "درِّيّة" كلّ ما سمعت وأَدركت عندها بأنّها هي زوجة "نور الدِّين"- ملك الجان..
وًَهْجُ الشَّمعة بدأَ يخفِت فأسرعت "درِّيّة" متراكضة لتخرج من السّرداب.. أَدارَت المفتاحَ، لكنَّ قطرةً من الشّمعة الذّائبة وقعت على بطن الملكِ النّائم.. أَفاقَ "نور الدِّين" متفاجِئًا.. فها هي زوجته الحبيبة تعلم بسِرِّه قَبْلَ أَن تُنْجِبْ وهذا ممنوع في عُرْفِ الجانِ وقانونهم، فزوجَة ملك الجانِ لا يجب أن تعلم هويّة زوجها إلاَّ بعد أن تضَعَ مولودها الأَوّل.. أَسِفَ "نور الدِّين " لحالِ زوجته وتسرّعها.. فهي بدورها اعترفت بأنّ فضولها كان هو الدَّافع الوحيد
لتصرّفها الأرعن.
أَخبرها "نور الدِّين" بأنّه ما كان لها أن تكشِفَ سرَّهُ إلاَّ بعد أن تنجِبَ مولودهما الأَوّل.. ولكنّه اعترف لها بأنّه حقًّا ملك الجان الّذي غيَّرَ صورته لهيئة كلبٍ أسود لازَمَ أسرتها وكان حارسًا وعَيْنًا لها.. وقد انتقى أسرتها، أباها وأمّها- لأنّهما كانا مثالاً للصَّبر والخيرِ والمساعدة.. فاختار أن يساعدهما لأنّه ملك الجان الخيِّرين.
     قرَّرَ "نور الدِّين" رغمًا عنه أن يعاقبَ "درِّيّة" لأنّها لم تتأنّى في قرارها الّذي كان  بمشورةٍ مــن أمّهـا "نجدت".. وهكذا مَنَعها زوجها من أن تزورَ والديها لمدَّة سنتين كاملتين.. حَزِنت "درِّيّة" الّتي أشرفت على وضعِ جنينِها، لكنّها لم تجد مفرًا من قبول حكم زوجها وتنفيذه.
* * *                    
وَضَعَت "درِّيّة" مولودها الأوّل- وليّ العهد.. والفرحة كانت كبيرة فاقت كلّ تصوّر، أقيمت الأَفــراح والموائد العامرة.. شارك فيها كلّ قريب وبعيد. وأَقبل المهنِّئونَ من كلِّ حدب وصوب ليقدِّموا الهدايا والمباركات الكثيرة للأَمير الصّغير "عزَّت".
* * *                    
مرَّت الأَيَّام وأَلفت "درِّيّة" رويدًا رويدًا حياة الجان الغريبة.. وكان زوجها "نور الدِّين" شاهدًا على تطّور سجاياها، فقد تعلَّمت مخاطبة الطّبيعة: كانت تُحَادِثُ الأشجارَ والجبالَ وتغنِّي مع الّطيور والعصافير وتتكلَّم مع أَصناف الحيوانات المختلفة.. أَحبّتها المخلوقات واعتادت على وجودِ بنت الإنسِ بينها..
أَدركت "درِّيّة" بأنّها يجب أن تصبِرَ لتنالَ جزاءها.. فها هي تكتسِب تدريجيًّا بعضًا من الميِّزات الّتي يتّصِف
بها ملاكُ الخير، مثل: الإصلاح والمساعدة لأَبعد الحدود ومحبّة المختَلِفِ الغريبِ فالشّكل لا يهمُّ بل الجوهر، وأنّ الصَّبرَ مفتاحٌ للفرج  وأنّ لكلِّ عالَمٍ قوانينه الخاصّة الّتي تميِّزهُ.
     شكَّلت كلّ الكائنات في القصر الّذي يقع على قوسِ الغمام شفاعة من شأنها أن تجعل "درِّيّة" ملكة تشارك
زوجها مهَّماته.. هذا وقد شاركَ قرار ملك الجانِ هذا كلّ مَن في القصر على مختلف صورهم وأشكالهم فنادوا بها أن تكون ملكتهم.. وتغنَّت الجبالُ بحزم "درِّيّة" وصبرها.. وتمايلت الزّهور وشهدت برقّتها وحنانها وشّدَت الأَطيارُ لعذوبة كلماتها.. أمّا البحارُ فقد انشقَّت وعبَّرت عن صدقها وثمين مزاياها والغيوم نادت بشفافية روحهــا
ومحبّتها..
* * *                    
.. وهكذا عاشَ "نور الدِّين" ملكُ الجانِ برفقة زوجته بنت الإنسِ ملكة الجان "درِّيّة" بحبٍّ ووئام. وترعرع الصّغير "عزَّت" بينهما.. ويحيطُ الأسرةَ محبَّة الجدّة " نجدت" والجدّ "نجم الدِّين".. والمملكة بناسِها ورعاياها.. بإنْسِها وجِنِّها تزيدُ خيرًا وعزًّا
* * *
"وتنتهي حكايتي  "صمت الكلب الأسود"، حكايتي هذه حكيتها وِبْعُبِّك حَطِّيتها" (1/2002).