(ب) طريقة إعداد مادّة الكتاب: هذا البند مرتبطٌ بالبند السّابق (أ) والبند اللاّحق (ج) ولا يمكن تجزئته وفصله عن البندين المذكورين. كما ذكرت في الصّفحات السّابقة: بأنّني قمت بتوثيق الحكايا التّركيّة من جدّتي "موفادّت" (مودّة). وهي حكايا شفهيّة وردت على لسان خالة أبيها- الجدَّة نوريّة. وأجريت إضافات جماليّة ونصٍّ قصصيٍّ أدبيّ على مادّة الحكاية الأساسيّة، طبعًا بدون المسّ بأصل الحكاية وجوهر شخصيّاتها.. وهذا بطَلَب من جدَّتي لزيادة جماليّة الحكاية المطروحة وبأسلوب أدبيّ مُحْكم وللحرص على حبكة وأزمة تشدّ القارئ والمستمع.. هذا وحاولت أن أجمع في مادّة هذا الكتاب معلومات تفيدُ وتعطي صورة عامة عن أجواءِ الحكاية. وما ارتبطَ بها من عادات وتقاليد في الزّمن التّركيّ آنذاك.. بالإضافة إلى ذلك فقد عكفت على احتواء كلّ الحكايا الشّفويّة الّتي لا زالت جدَّتي تتذكرّها ..وذلك للمحافظة عليها كي لا تندثر هذه الحكايا مع مرور الأيّام .. ولكي تظّل خالدة لِتُفيدَ وتُعَلِّم..
هاكم تجربتي هذه.. ولتحكموا على المادّة فيها..
(جـ) كتابة نصوص الحكايا في الكتاب ببناء أَدبيّ- قصصيّ:
حَرِصتُ على التّسجيلِ الحرفيّ لِما كانت تُمليه عليَّ جدَّتي مِن وَصْفٍ عامٍ للحكاية ولتفاصيـل الشّخصيّات وللأَحداثِ العامّة المتتالية للحكاية المعيّنة. ومِنَ الجدير ذِكره أنَّ هذا التّوثيق للحكايا، وبملاحظةٍ من جدَّتي، كان بحاجة إلى نصٍّ أَدبيّ- قصصيّ جميل يعتمد على السرّد والتّشويق والتّركيب البنائيِّ الجيّد لمبنى القصّة ولشكل الحكاية، حيث أنّ جدَّتي "مودّة" رحَّبت بفكرة هذا العمل الّذي أقوم به وخوَّلتني أيضًا بأن أُضيـــف لمادّة الحكاية وَصفاً عامًّا لشكل الحكاية ولشخصيّاتها ولِما أَراه مناسبًا ويحتاج لهذه الإضافة وطبعاً بدون المسِّ بجوهَر النّصّ.. وذلك لكي نضفي منطِقًاً وجماليّة وتسلسلاً وتركيبًا مُحْكمًا.. كلّ هذه العناصر من شأنِها أن تُسْهم في إنجاح الأَهداف المرجوّه من هذا العمل. وقد ذكرتُ هذه الأَهداف في سياق الصَّفحات السَّابقة..
إنّ السّنين والأَعوام الّتي تتالت وتوالت كان لها الدّور الأَكبر لكي تنسى جدَّتي التّفاصيل الصّغـيرة والدّقيقة للحَكَايا الشّفهية الّتي تناقَلَتْها جدَّتي مِن طفولتها.. بالإضافة إلى عَدَم سَرْدِ هذه الحكايات من فترة لأُخرى أو من حينٍ لآخرَ على أشخاص أو أفـرادٍ قريبين أَو بعيدين!. وبالتّالي فقد تندثر مادّة هذه الحكايا مع مرور الأَيّام ولن يبقى لها أيّ أثَرٍ أو أيّ ذِكْر، ومن هنا فإنَّ هذين السّببين هما المَعْلمان الأساسيّان اللّذان شكّلا المحفِّز الأَساسِيَّ- في اعتقادي- لكي تهتمَّ جدّتي بأن تُركِّز وتتذكَّر قَدْرَ استطاعَتها وبما أَسْعفَتْها به ذاكرتها مِن تفاصيل ومجريات لحكايا لـم تَنْسىَ أَحداثها أَو تفاصيلها العامّة!
لهذا فقد كتبتُ أنا مادّة قصصيّة نثريّة لكلّ حكاية والّتي اُرتأيْتُها مناسبة من حيث الأسلـوب والمضمون بحسب الحكاية وأحداثها العامّة وشخصيّاتها وجوهرها أيضًا.. وهذا ما ستلحظونه عندما تقرأون المادّة.. ولكم الحُكمَ والنّقد!
بعد تسجيل التّفاصيل الأَساسيّة لكلّ حكاية مِن جدَّتي.. كنتُ أَنقل كلّ ما استمعت إليه، ثـمّ أعيدُ صياغته بعد أَن أُضيف كلّ التعديلات اللاّزمة للمادّة الّتي أَضحت نصًّا قصصيًّا ملائمًا وشيِّقًا. وبعد المراجعة والتّدقيق، كنتُ أُعاودُ قراءة النّصّ القصصيّ النّهائي.. ثمّ أَستحضره على مسامع جدَّتي الّتي كانت بدورها تستمع وتتهيّأ لِطَرح رأيها وملاحظاتها إن احتاجَ الأَمر لذلك. وأيضاً كانت تعبِّر عن شعورها بالرّضا أو الإعجاب وغيرها من المشاعر بحسب ما في النّصّ من معايير..
عِلمًا بأنّني كنت في البداية وكخطوة أوّلية أسجِّل التّفاصيل والمعلومات الجوهرّية من جدَّتي وبعدها تتخمَّرُ وتختَمِرُ صورة القصّة أو الحكاية في ذهني ومخيِّلتي، فأَعود لأكتبها من جديد بلغتي وبكلّ ما يَتطّلبهُ البناء القصصّي من قوانين وأساليب.. وكان عملي هذا يستغرق أيّامًا طِوال ومجهودًا مكثّفًا لتخرج الحكاية كما أَراها في مخيِّلتي وكما يستحضرها ذهني أَيضًا.
هذا وحينما كانت جدَّتي تستذكر أَحداث حكاية ما تحكيها لي، كانت تبتسم لي وتقول: " آه يا منى أنت ترجعينني إلى الوراء بذاكرتي.. إلى حيث اجتماعات الأحّباء والجلسات الحلوة الّتي كنّا نتشارك فيها مع العائلة هناك في البيت الكبير في أنطاكية، حيث كنّا نصغي لأحـداث الحكايا من جدَّتي- خالة أبي، نوريّة "..
لا بدَّ لي أن أذكر أنَّ جدَّتي "موفادَّت" بذلت مجهودًا كبيرًا لاستذكار الصّورة العامّة للحكاية.. وقد لحظتُ بأنّّها كانت أَحيانًا تجتهد كثيرًا من أجل هذا الاسترجاع.. ممّا شكلَّ صعوبة عليها وعليَّ أيضًا، حيث أنّ عملي في هذه الصّفحات كلّها استغرق أيضًا وقتًا مكثَّفًا من أَجل تجميع المعلومات الحرفيّة من جدَّتي لنصّ كلّ حكاية.. ثمَّ يأتي مجهودي الشّخصيّ في وضع أحداث الحكاية الواحدة في قالب قصصيّ ملائم، أو حتَّى إضافة بعض الأفكار والصّور والأحداث الّتي من شأنها أَن تُضفي كمالاً على الحكاية من حيث التّصوير والوصف والبناء الشّكليّ الّذي أرتأيه لموضوع الحكاية وأيضًا التّصّور الّذي أَعكسه على ملامح الشّخصيّات والّذي أجده مناسبًا ليعطي صـورة مكتملة عن الحكاية بشكل عام .
هذا وقد دأبت على تجميع أكبر عدد ممكن من الحكايات مُسْتَغِلَّةً بذلك كلّ ما لم يندثر من ذاكرة جدَّتي رعاها عين الباري.
ملاحظة حول: "أسماء الأعلام" لشخصيّات الحكايا الواردة في الكتاب.
* كثيرة هي الكلمات الفارسيّة الّتي وَصَلت إلينا نتيجةً للاتّصالات العربيّة الفارسيّة، ومنها تسَّربت أسماء عربيّة إلى قلوبِ الإيرانيّة وهي بلا شكّ كثيرة جدّا تَفوقُ أَسماء الفرسِ أنفسهم . دفعهـم إلى التّسمّي بها دافع حبِّهم للدِّين ولآل البيت وللعربيّة وكذلك تسَّربت أسماء فارسيّة إلى اللغّة العربيّة فتسَمَّى بها أشخاص وتكَّنى بها آخرون .
ومِنَ الأَمثلة لأسماء أعلامٍ وردت في حكاياتنا، ويُعتقد أنّ لها تأثيرًا من الفارسيّة:
- أنّ الفرسَ لم يعرفوا التّاء َ المربوطةَ في لغتهم فحوَّلوها إلى تاء مبسوطة كقولهم: نِعْمَات، زِينات
وهي في الأَصل تاء مربوطة أي نِعْمة وزِينة،.. * ليست هناك صلة للأسماء الواردة في الحكايا بحقبة زمنيّة، تأريخيّة، سياسية، إجتماعيّة ودينيّة أو حتّى شخصيّة في الإمبراطوريّة العثمانيّة أو في الجمهوريّة التّركيّة. * قُمتُ بشرح أَسماء الأعلام الّتي ذُكِرت في الحكايا وهي من أَصل غير عربيّ. ووضعت شرحًا وتوضيحًا لها في سياق الحكاية الّتي وردت فيها.. أو بإشارة خاصّة وضعتها. ثمّ شرحتُ اسم العَلَم سواءً كان من أصلٍ تركيّ أو فارسيٍّ أو آخرَ.. * هناك أسماء عربيّة الأَصل مستعملة بالتّركيّة أيضًا، مثل: سعد الدّين، سليمان، مُراد.